تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الآية إشارة إلى مقاتلة النفوس المتمردة فالله تعالى ناصر السالكين على قتال النفوس وقد قدر النصرة في الأزل فلا تبديل لها إلى الأبد فالمنصور من نصره الله والمقهور من قهره الله ونصرة الله على أنواع فمنها نصرة في الظالم فمن بعضهم كنا في المدينة يتكلم في بعض الأوقات في آيات الله تعالى المنعم بها على أوليائه وكان رجل ضرير بالقرب منا يسمع ما نقول فتقدم إلينا وقال : أنست بكلامكم اعلموا أنه كان لي عيال وأطفال فخرجت إلى البقيع احتطب فرأيت شابا عليه فميص كتان ولعله في أصبعه فتوهمت أنه تائه فقصدت أن

42

أسلبه ثوبه فقلت له : انزع ما عليك فقال لي : مر في حفظ فقلت له الثانية والثالثة فقال ولا بد قلت : ولا بد فأشار بأصبعيه إلى عيني فسقطتا فقلت : بالله عليك من أنت فقال : أنا ابراهيم الخواص وإنما دعا إبراهيم الخواص على اللص بالعمى ودعا ابراهيم بن أدم للذي ضربه بالجنة لأن الخواص شهد من اللص أنه لا يتوب إلا بعد العقوبة فرأى العقوبة أصلح له وابن أدهم لم يشهد توبة الضارب في عقوبته فتفضل عليه بالدعاء له فتوة منه وكرما فحصلت البركة والخير بدعائه للضارب فجاءه مستغفرا معتذرا فقال له إبراهيم : الرأس الذي يحتاج إلى الاعتذار تركته ببلخ يعني أن نخوة الشرف وكبر الرياسة الواقعة في رأسي حين كنت ببلخ قد استبدلت بها تواضع المسكنة والانكسار ومنها نصرة في الباطن فعن أحمد ابن أبي الحواري رحمه الله قال : كنت مع أبي سليمان الداراني قدس سره في طريق مكة فسقطت مني السطيحة أي المزادة فأخبرت أبا سليمان بذلك فقال : يا راد الضالة فلم ألبث حتى أتى رجل يقول : من سقطت منه سطيحته فإذا هي سطيحتي فأخذتها فقال أبو سليمان : حسبت أن يتركنا بلا ماء يا أحمد فمشينا قليلا وكان برد شديد وعلينا الفراء فرأينا رجلا عليه طمران رثان وهو يترشح فقال له أبو سليمان : نواسيك ببعض ما علينا فقال الحر والبرد خلقان من خلق الله تعالى أن أمرهما غشياني وأن أمرهما تركاني وأنا أسير في هذه البادية منذ ثلاثين سنة ما ارتعدت ولا انتفضت يلبسني فيحا من محبته في الشتاء ويلبسني في الصيف مذاق برد محبت :

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

جمعى كه شت كرم بعشق نيند

ناز سمور ومنت سنجاب مى كشند

يا داراني أشير إلى ثوب وتدع الزهد تجد البرد ياداراني تبكي وتصيح وتستريح إلى الترويح فمضى أبو سليمان وقال : لم يعرفني غيره قيل في هذه الحكاية ما معناه إنه لما حقق الله يقين أبي سليمان في رد السطيحة صانه من العجب بما رأه من حال هذا الرجل حتى صغر في عينيه حال نفسه وتلك سنة الله في أوليائه يصونهم من ملاحظة الأعمال ويصغر في أينهم ما يصفو لهم منا لأحوال وينصرهم في تذكي نفوسهم عن سفساف الأخلاق رضي الله عنهم ونفعنا بهم وسلك بنا مسالك طريقتهم إنه هو الكريم المحسان ﴿وهو الذى كف أيديهم﴾ أي كفار مكة ﴿عنكم﴾ أي بأن حملهم على الفرار منكم مع كثرة عددهم وكونهم في بلادهم بصدد الذنب عن أهليهم وأولادهم ﴿وأيديكم عنهم﴾ بأن حملكم على الرجوع عنهم وتركهم ﴿ببطن مكة﴾ أي في داخلها ﴿منا بعد أن أظفركم﴾ أي جعلكم ظافرين غالبين ﴿عليهم﴾ وبالفارسية : س ازانكه ظفر داد شمار او غالب ساخت.

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

مع أن العادة المستمرة ظفره وذلك أن عكرمة ابن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية فبعث رسول الله عليه السلام خالد بن الوليد على جند وسماه يومئذ سيف الله فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد ذكره الطبراني وابن أبي حاتم في تفسيريهما قال سعدي المفتي : لم يصح هذا والمذكور في كتب السير وغيرها من الصحاح أن خالد بن الوليد كان يوم الحديبية طليعة للمشركين أرسلوه في مائتي فارس فدنا في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله فأمر رسول الله عباد بن بشر رضي الله عنه

43

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٣٦