تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ذا الايد﴾ : يقال : آد يئيد أيدا مثل باع يبيع بيعا اشتد وقوي.

والأيد : القوة كما في "القاموس" والقوة الشديدة كما في "المفردات" ؛ أي : ذا القوة في الدين القائم بمشاقه وتكاليفه.

وفي "الكواشي" : ويجوز أن يراد القوة في الجسد والدين.

انتهى.

واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوة داود في أمر الدين ثم زلته بحسب القضاء الأزلي ، ثم توبته بحسب العناية السابقة وأمره عليه السلام بذكر حاله وقوته في باب الطاعة ليتقوى على الصبر ولا يزل عن مقام استقامته وتمكينه كما زل قدم داود فظهرت المناسبة بين المسندين واتضح وجه عطف واذكر على اصبر.

﴿إنه أواب﴾ : من الأوب ، وهو الرجوع ؛ أي : رجاع إلى الله ومرضاته ؛ أي : عن كل ما يكره الله إلى ما يحب الله ، وهو تعليل لكونه ذا الأيد.

ودليل على أن المراد به القوة في أمر الدين وما يتعلق بالعبادة لا قوة البدن ؛ لأن كونه راجعا إلى مرضاة الله لا يستلزم كونه قوي البدن.

وقد روى أنه لم يكن جسيما كسائر الأنبياء بل قصير القامة ، وأكثر القوى البدنية كان فيمن زاده الله بسطة في جسمه.

"وفي التأويلات النجمية" : تشير الآية إلى كماليته في العبودية بأنه لم يكن عبد الدنيا ولا عبد الآخرة ، وإنما كان عبدنا خالصا ومخلصا وله قوة في العبودية ظاهرا وباطنا.

فأما قوته ظاهرا فبأنه قتل جالوت ، وكثيرا من جنوده بثلاثة أحجار رماها عليهم وأما قوته في الباطن فلأنه كان أوابا وقد سرت أوابيته في الجبال والطير ، فكانت تؤوب

11

معه انتهى.

ومن قوة عبادة داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ، وذلك أشد الصوم ، وكان ينام النصف الأول من الليل ويقوم النصف الأخير منه مع سياسة الملك.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

وفي بعض التفاسير كان ينام النصف الأول من الليل ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وهو الموافق لما في المشارق من قوله عليه السلام : "أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وأحب الصلاة إلى الله" ؛ أي : في النوافل : "صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" ، وإنما صار هذا النوع أحب ؛ لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخف وأنشط في العبادة.

﴿إنا سخرنا الجبال معه﴾ : بيان لفضله مع داود ؛ أي : ذللناها ومع متعلق بالتسخير وإيثارها على اللام لكون تسخير الجبال له عليه السلام لم يكن بطريق تفويض التصرف فيها إليه كتسخير الريح وغيرها لسليمان سيرها معه بطريق تفويض التبعية له ، فتكون مع على حالها ، ويجوز أن تكون مع متعلقة بما بعدها.

وهو قوله : ﴿يسبحن﴾ ؛ أي : حال كونها تقدس الله تعالى مع داود لم يقل مسبحات للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال.

قال في "كشف الأسرار" : كان داود يسمع ويفهم تسبيح الجبال على وجه تخصيصه به كرامة له ومعجزة.

انتهى.

واختلفوا في كيفية التسبيح ، فقيل : بصوت يتمثل له وهو بعيد.

وقيل : بلسان الحال ، وهو أبعد.

وقيل : بخلق الله في جسم الجبل حياة وعقلا وقدرة ونطقا فحينئذ يسبح الله كما يسبح الأحياء العقلاء.

وهذا لسان أهل الظاهر ، وأما عند أهل الحقيقة فسر الحياة سار في جميع الموجودات حيوانا أو نباتا أو جمادا ، فالحياة في الكل حقيقة لا عارضية أو حالية أن تمثيلية لكن إنما يدركها كمل المكاشفين فتسبيح الجبال مع داود على حقيقته لكن لما كان على كيفية مخصوصة وسماعه على وجه غريب خارج عن العقول كان من معجزات داود عليه السلام وكراماته.

وقد سبق مرارا تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه من الكلام.

﴿بالعشى﴾ : في آخر النهار.

﴿والاشراق﴾ : في أول النهار ووقت الإشراق هو حين تشرق الشمس ؛ أي : تضيء.

ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى.

وأما شروقها فطلوعها.

يقال : شرقت الشمس ولما تشرق.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كنت أمر بهذه الآية ولا أدري ما هي حتى حدثتني أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم فتح مكة فدعا بوضوء فتوضأ.

وفي "البخاري" : واغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثماني ركعات.

وقال : "يا أم هانيء هذه صلاة الإشراق".

ومن هنا قال بعضهم : من دخل مكة وأراد أن يصلي الضحى أول يوم اغتسل وصلاها كما فعله عليه السلام يوم فتح مكة.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

وقال بعضهم : صلاة الضحى غير صلاة الإشراق كما دل عليه قوله عليه السلام : "من صلى الفجر بجماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة".

وهي صلاة الإشراق كما في "شرح المصابيح" وقوله عليه السلام : "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال من الضحى".

والمعنى : أن صلاة الضحى تصلى إذا وجد الفصيل حر الشمس من الرمضاء ؛ أي : من الأرض التي اشتد حرها من شدة وقع الشمس عليها ، فإن الرمض : شدة وقع الشمس على الرمل وغيره والفصيل الذي يفصل ويفطم عن الرضاع من الإبل وخص الفصال هنا بالذكر ؛ لأنها التي ترمض لرقة جلد رجلها.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٨