فإن قيل : إن هذه الآية تدل على أن الشياطين لها قوة عظيمة ، قدروا بها على تلك الأبنية العظيمة التي لا يقدر عليها البشر وقدروا على الغوص في البحار ، واستخراج جواهرها ، وأنى يمكن تقييدهم بالأغلال والأصفاد.
وفيه إشكال ، وهو أن هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة ، فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز أن لا يراهم مع كثافة أجسادهم لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة لا نراها ، ولا نسمعها وذا سفسطة ، وإن كانت أجسادهم لطيفة واللطافة تنافي الصلابة ، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة بحيث يقدر بها على ما لا يقدر عليه البشر ؛ لأن الجسم اللطيف يكون ضعيف القوام تتمزق أجزاؤه بأدنى المدافعة ، فلا يطيق
37
تحمل الأشياء الثقيلة ومزاولة الأعمال الشاقة.
وأيضا لا يمكن تقييده بالأصفاد والأغلال.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
قلنا : إن أجسادهم لطيفة ولكن شفافة ولطافتها لا تنافي صلابتها بمعنى الامتناع من التفرق ، فلكونها لطيفة لا ترى ولكونها صلبة يمكن تقييدها وتحملها الأشياء الثقيلة ومزاولتها الأعمال الشاقة ، ولو سلم أن اللطافة تنافي الصلابة إلا أنا لا نسلم أن اللطيف الذي لا صلابة له يمتنع أن يتحمل الأشياء الثقيلة ويقدر على الأعمال الشاقة.
ألا ترى أن الرياح العاصفة تفعل أفعالا عجيبة لا تقدر عليها جماعة من الناس.
وقال في "بحر العلوم" : والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالتقرين في الصفد ، يعني : أن قولهم : لا يمكن تقييده بالأصفاد والأغلال حقيقة مسلم.
ولكن ليس الكلام محمولا على حقيقته ؛ لأنهم لما كانوا مسخرين مذللين لطاعته عليه السلام بتسخير الله إياهم له كان قادرا على كفهم عن الإضرار بالخلق.
فشبه كفهم عن ذلك بالتقرين في الأصفاد ، فأطلق على الكف المذكور لفظ التقريب استعارة أصلية ، ثم اشتق من التقرين ؛ يعني بمعنى المجازي لفظ مقرنين ، فهو استعارة تبعية بمعنى ممنوعين عن الشرور.
"وفي الأسئلة المقحمة" : الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ولا دليل يقضي ؛ بأن تلك الأجسام لطيفة أو كثيفة ، بل يجوز أن تكون لطيفة ، وإن تكون كثيفة ، وإنما لا نراهم لا للطافتهم كما يزعمه المعتزلة.
ولكن لأن الله تعالى لا يخلق فينا إدراكا لهم.
انتهى.
قال القاضي أبو بكر : الأصل الذي خلقوا منه هي النار ، ولسنا ننكر مع ذلك أن يكثفهم الله تعالى ويغلظ أجسامهم ويخلق لهم أعراضا زائدة على ما في النار ، فيخرجون عن كونهم نارا ويخلق لهم صورا وأشكالا مختلفة ، فيجوز أن نراهم إذا قوى الله أبصارنا كما يجوز أن نراهم لو كثف الله أجسامهم.
قال القاضي عبد الجبار : إن الله تعالى كثفهم لسليمان حتى كان الناس يرونهم وقواهم حتى كانوا يعملون له الأعمال الشاقة.
والمقرن في الأصفاد لا يكون إلا جسما كثيقا.
وأما إقداره عليهم وتكثيفهم في غير أزمان الأنبياء فإنه غير جائز ؛ لأنه يؤدي إلى أن يكون نقضا للعادة ، كما في "آكام المرجان في أحكام الجان".
وقال بعضهم : إن الشياطين كانوا يشاهدون في زمن سليمان ، ثم إنه لما توفي أمات الله أولئك الشياطين وخلق نوعا آخر في غاية الرقة واللطافة.
وفيه أن الشياطين منظرون ، فكيف يموتون إلا أن يختص الأنظار بإبليس أو إلا أن يحمل الشياطين على كفار الجن ، فإنهم ماردون أيضا.
روي : أن الله تعالى أجاب دعاء سليمان بأن سخر له ما لم يسخره لأحد من الملوك ، وهو الرياح والشياطين والطير ، وسخر له من الملوك ما لم يتيسر لغيره مثل ذلك ، فإنه روي : أنه ورث ملك أبيه داود في عصر كيخسرو بن سياوش ، وسار من الشام إلى العراق فبلغ خبره إلى كيخسرو ، فهرب إلى خراسان ، فلم يلبث قليلا حتى هلك ، ثم سار إلى مرو ، ثم سار إلى بلاد الترك ، فوغل فيها ، ثم جاز بلاد الصين ، ثم عطف إلى اين وافى بلاد فارس ، فنزلها أياما ، ثم عاد إلى الشام ثم أمر ببناء بيت المقدس ، فلما فرغ منه سار إلى تهامة ، ثم إلى صنعاء.
وكان من حديثه مع صاحبة صنعاء ، وهي بلقيس ما ذكره الله تعالى كتابه الكريم وغزا بلاد المغرب ، الأندلس وطنجة وإفرنجة ونواحيها.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿وءاخرين مقرنين فى الاصفاد * هاذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مااب * واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلكا هاذا مغتسل﴾ .
﴿هاذآ﴾ ؛ أي : فسخرنا وقلنا له : هذا الذي أعطيناك من الملك العظيم والبسطة والتسلط على ما لم يسلط
38
عليه غيرك.
﴿عطآؤنا﴾ الخاص بك الذي لا يقدرعليه غيرنا ﴿فامنن﴾ من قوله من عليه منا ؛ أي : أنعم ؛ أي : فأعط منه من شئت.
﴿أو أمسك﴾ وامنع منه من شئت ، وأو للإباحة.