﴿فسخرنا له الريح﴾ .
قال أبو عمرو : إنه ريح الصبا ؛ أي : فذللناها لطاعة سليمان ؛ أي : جعلناها مطيعة لا تخالفه إجابة لدعوته ، فعاد أمره عليه السلام على ما كان عليه قبل الفتنة فيكون ذلك مسببا عن إنابته : وبالفارسية : (بس رام كردانيدم مر سليمان را باد تافر مان وى برد).
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
وفيه إشارة إلى أن سليمان لما فعل بالصافنات الجياد ما فعل في سبيل الله عوضه الله مركبا مثل الريح كان غدوها شهرا ورواحها شهرا كما في "التأويلات النجمية".
وقد سبق أيضا من "كشف الأسرار".
قال البقلي رحمه الله : كان سليمان عليه السلام من حبه جمال الحق يحب أن ينظر إلى صنائعه وممالكه ساعة فساعة من الشرق إلى الغرب حتى يدرك عجائب ملكه وملكوته ، فسخر الله له الريح وأجراها بمراده.
وهذا جزاء صبره في ترك حظوظ نفسه.
﴿تجرى بأمره﴾ : بيان لتسخيرها له.
﴿رخآء﴾ : حال من ضمير تجري.
والرخاء : الريح اللينة من قولهم شيء رخو كما في "المفردات" : وبالفارسية : (نرم وخوش).
وفي "الفتوحات المكية" : أن الهواء لا يسمى ريحا إلا إذا تحرك وتموج ، فإن اشتدت حركته كان زعزعا ، وإن لم تشتد كان رخاء ، وهو ذو روح يعقل كسائر أجزاء العالم وهبوبه تسبيحه تجري به الجواري ، ويطفأ به السراج وتشتعل به النار وتتحرك المياه والأشجار ويموج البحر وتزلزل الأرض ويزجى السحاب.
انتهى.
والمعنى : حال كون تلك الريح لينة طيبة لا تزعزع ولا تنافي بين كونها لينة الهبوب ، وبين قوله تعالى : ﴿ولسليمان الريح عاصفة﴾ (الأنبياء : 81) ؛ لأن المراد : أن تلك الريح أيضا في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما جرت بأمره عليه السلام ، كانت لينة رخاء أو تسخر له كلا نسيميها.
36
﴿حيث أصاب﴾ : ظرف لتجري أو لسخرنا.
وأصاب بمعنى أراد لغة حمير أو هجر.
وفي "القاموس" : الإصابة : القصد ؛ أي : حيث قصد وأراد من النواحي والأطراف.
واعلم أن المراد بقوله بأمره جريان الريح بمجرد أمره من غير جمعية خاطر ولا همة قلب فهو الذي جعل الله من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده لا مجرد التسخير ، فإن الله تعالى سخر لنا أيضا ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ، لكن إنما تفعل أجرام العالم لهمم النفوس إذا أقيمت في مقام الجمعية ، فهذا التسخير عن أمر الله لا عن أمرنا كحال سليمان عليه السلام.
﴿والشياطين﴾ : عطف على الريح.
﴿كل بنآء﴾ : بدل من الشياطين ، وهو مبالغة بأن اسم الفاعل من بني ، وكانوا يعملون له عليه السلام ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ، وقدور راسيات لما سبق في سورة سبأ ويبنون له الأبنية الرفيعة بدمشق واليمن ، ومن بنائهم بيت المقدس وإصطخر ، وهي من بلاد فارس ، تنسب إلى صخر الجني المراد بقوله تعالى : ﴿قال عفريت من الجن﴾ (النمل : 39).
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿وغواص﴾ : مبالغة غائص من غاص يغوص غوصا ، وهو الدخول تحت الماء وإخراج شيء منه.
قال في "المفردات" : قوله تعالى : ﴿ومن الشياطين من يغوصون له﴾ (الأنبياء : 82) ؛ أي : يستخرجون له الأعمال الغريبة والأفعال البديعة وليس استنباط الدر فقط.
انتهى.
وكانوا يستخرجون الدرر والجواهر والحلي من البحر ، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر.
﴿وءاخرين مقرنين فى الاصفاد﴾ : عطف على كل بناء داخل في حكم البدل يقال : قرنت البعيرين إذا جمعت بينهما وقرنت على التكثير كما في الآية.
قال الراغب : والتقرين بالفارسية : (برهم كردن).
قال ابن الشيخ : مقرنين صفة لآخرين ، وهو اسم مفعول من باب التفعيل منقول من قرنت الشيء بالشيء ؛ أي : وصلته به وشدد العين للمبالغة والكثرة.
والأصفاد : جمع صفد محركة ، وهو القيد وسمي به العطاء ؛ لأنه يرتبط بالمنعم عليه ، وفرقوا بين فعلهما ، فقالوا : صفده قيده وأصفده أعطاه على عكس وعد وأوعد ، فإن الثلاثي فيه للخير والمنفعة والرباعي للشر والمضرة ولكن في كون أصفد ، بمعنى : أعطى نكتة ، وهي أن الهمزة للسلب.
والمعنى : أزلت ما به من الاحتياج بأن أعطيته ما تندفع به حاجته بخلاف أوعد ، فإنه لغة أصلية موضوعة للتهديد.
ومعنى الآية : وسخرنا له شياطين آخرين لا يبنون ولا يغوصون ، كأنه عليه السلام فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في أعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك.
وإلى مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل وأوثقهم بالحديد لكفهم على الشر والفساد.