﴿فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى﴾ ، قاله عليه السلام عند غروب الشمس اعترافا بما صدر عنه من الاشتغال بها عن الصلاة وندما عليه وتمهيدا لما يعقبه من الأمر بردها وعقرها ، والتعقيب بالفاء باعتبار آواخر العرض المستمر دون ابتدائه والتأكيد للدلالة على أن اعترافه وندمه عن صميم القلب لا لتحقيق مضمون الخبر وأصل أحببت : أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت كما في قوله تعالى : ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾ (فصلت : 17).
وكل من أحب شيئا فقد آثره ، لكن لما أنيب مناب أنبت وضمن معناه عدي تعديته بعن وحب الخير مفعوله ؛ أي : مفعول به لانبت المضمن ، والذي أنيب مناب الذكر هو الاطلاع على أحوال الخيل لا حب الخيل إلا أنه عدى الفعل إلى حب الخيل للدلالة على غاية محبته لها فإن الإنسان قد يحب شيئا ، ولكنه يحب أن لا يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يضره ، ولذا لما قيل لمريض : ما تشتهي.
قال : أشتهي أن لا أشتهي ، وأما من أحب شيئا وأحب أن يحبه فذلك غاية المحبة.
والخير : المال الكثير والمراد به : الخيل التي شغلته عليه السلام ؛ لأنها مال ويحتمل أنه سماها خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
قال عليه السلام : "الخير" ؛ أي : الأجر والمغنم (معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة).
والمراد بالذكر : صلاة العصر بدليل قوله : بالعشي ، وسميت الصلاة ذكرا ؛ لأنها مشحونة بالذكر كما في "كشف الأسرار" أو الورد المعين وقتئذ.
ومعنى الآية : أنبت حب الخيل ؛ أي : جعلته نائبا عن ذكر ربي ووضعته موضعه ، وكان يحب لمثلي أن يشتغل بذكر ربه وطاعته.
﴿حتى توارت بالحجاب﴾ : التواري : الاستتار.
والضمير للشمس ، وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها إذ لا شيء يتوارى حينئذ غيرها ، فالحجاب : مغيب الشمس ومغربها ، كما في "المفردات".
وحتى متعلق بقوله : أحببت.
28
وغاية له باعتبار استمرار المجبة ودوامها حسب استمرار العرض.
والمعنى : أنبت حب الخير عن ذكر ربي واستمر ذلك حتى توارت ؛ أي : غربت الشمس تشبيها لغروبها في مغربها بتواري الجارية المخبأة بحجابها ؛ أي : المستترة بخبائها وخدرها.
وقيل : الضمير في توارت للصافنات ؛ أي : حتى توارت بحجاب الليل ؛ أي : بظلامه ؛ لأن ظلام الليل يستر كل شيء.
﴿ردوها على﴾ : من تمام مقالة سليمان ومرمى غرضه من تقديم ما قدمه ، والخطاب لأهل العرض من قومه ؛ أي : أعيدوا تلك الخيل علي.
﴿فطفق مسحا بالسوق والاعناق﴾ : الفاء : فصيحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها وإيذانا بغاية سرعة الامتثال بالأمر وطفق من أفعال المقاربة الدالة على شروع فاعلها في مضمون الخبر ، فهو بمعنى أخذ وشرع وخبر هذه الأفعال يكون فعلا مضارعا في الأغلب ومسحا نصب على المصدرية بفعل مقدر ، هو خبر طفق.
والمسح : إمرار اليد على الشيء.
والجمهور على أن المراد به هنا القطع من قولهم : مسح علاوته ؛ أي : ضرب عنقه وقطع رأسه.
والعلاوة : بالكسر أعلى الرأس أو العنق.
قال في "المفردات" : مسحته بالسيف كناية عن الضرب.
والسوق : جمع ساق كدور ودار.
والساق : ما بين الكعبين كعب الركبة وكعب الرجل.
والأعناق : جمع عنق ، بالفارسية : (كردن).
والباء : مزيدة كما في قوله تعالى : ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ : فإن مسحت رأسه ومسحت برأسه بمعنى واحد.
والمعنى : فردوها عليه فأخذ يمسح بالسيف مسحا سوقها وأعناقها ؛ أي : يقطع أعناقها ويعرقب أرجلها ؛ أي : هو وأصحابه ، أو يذبح بعضها ويعرقب بعضها إزالة للعلاقات ورفعا للحجاب الحائل بينه وبين الحق واستغفارا وإنابه إليه بالترك والتجريد.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
وفي الآية إشارة إلى أن حب غير الله شاغل عن الله وموجب للحجاب ، وأن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عن الله لحظة يلزمك أن تعالجه بسيف نفي لا إله إلا الله.
"لا" نهنكيست كائنات آشام
عرض تا فرش در كشيده بكام
هر كجا كرده آن نهنك آهنك
ازمن وما نه بوى ماندونه رنك