﴿فأقم وجهك للدين﴾ الإقامة (براى كردن وراست كردن) كما في "تاج المصادر" والوجه الجارحة المخصوصة وقد يعبر به عن الذات كما في قوله : ﴿ومن يسلم وجهه﴾ (لقمان : 22) والدين في الأصل الطاعة والجزاء واستعير للشريعة.
والفرق بينه وبين الملة اعتباري فإن الشريعة من حيث أنها يطاع لها وينقاد دين ومن حيث أنها تملي وتكتب ملة.
والإملال بمعنى الإملاء وهو أن يقول فيكتب آخر عنه وإقامة الوجه للدين تمثيل لإقباله على الدين واستقامته واهتمامه بترتيب أسبابه فإن من اهتم بشيء محسوس بالبصر عقد عليه طرفه ومد إليه نظره وقوم له وجهه مقبلا عليه.
والمعنى فإذا كان حال المشركين اتباع الهوى والإعراض عن الهدى فقوم وجهك يا محمد للدين الحق الذي هو دين الإسلام وعد له غير ملتفت يمينا وشمالا ، وبالفارسية : (س راست دار اى محمد روى خود دين را) ﴿حنيفا﴾ أي : حال كونك مائلا إليه عن سائر الأديان مستقيما عليه لا ترجع له عنه إلى غيره ويجوز أن يكون حالا من الدين.
قال في "القاموس" الحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه.
وفي "المفردات" الحنف ميل عن الضلال إلى الاستقامة وتحنف فلان تحري طريق الاستقامة وسمت العرب كل من اختتن أو حج حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم عليه السلام.
ومن "بلاغات الزمخشري" : الجود والحلم حاتمي واحنفي.
والدين والعلم حنيفي وحنفي أي : الجود منسوب إلى حاتم الطائي والحلم إلى أحنف بن قيس كما أن الدين منسوب إلى إبراهيم الحنيف والعلم إلى أبي حنيفة رحمه الله.
وقال بعضهم في الآية الوجه ما يتوجه إليه وعمل الإنسان ودينه مما يتوجه الإنسان إليه لتسديده وإقامته.
فالمعنى أخلص دينك وسدد عملك مائلا إليه عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة ﴿فطرت الله﴾ الفطرة الخلقة وزنا ومعنى وقولهم صدقة الفطرة أي : صدقة إنسان
30
مفطور أي : مخلوق فيؤول إلى قولهم زكاة الرأس والمراد بالفطرة ههنا القابلية للتوحيد ودين الإسلام من غير إباء عنه وإنكار له.
قال الراغب : فطرة الله ما فطر أي : أبدع وركز في الناس من قوتهم على معرفة الإيمان وهو المشار إليه بقوله تعالى : ﴿ولاان سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ (الزخرف : 87) وانتصابها على الإغراء أي : الزموا فطرة الله والخطاب للكل كما يفصح عنه قوله منيبين إليه والإفراد في أقم لما أن الرسول إمام الأمة فأمره مستتبع لأمرهم والمراد بلزومها الجريان على موجبها وعدم الإخلال به باتباع الهوى وتسويل الشيطان ﴿التى فطر الناس عليها﴾ صفة لفطرة مؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر فإن خلق الله الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه أو عن ملة الإسلام من موجبات لزومها والتمسك بها قطعا فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها وما اختاروا عليها دينا آخر ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن ومنه قوله عليه السلام حكاية عن رب العزة "كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن يشركوا بي غيري" والاجتيال بالجيم الجول أي : استخفتهم فجالوا معها يقال اجتال الرجل الشيء ذهب به وساقه كذا في "تاج المصادر" ، قال ابن الكمال في كتابه المسمى بنكارستان :
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
بر سلامت زايد ازمادر سر
آن سقامت را يذيرد از در
صدق محض است اين كه كفتم شاهدش
در خبر وارد شد از خير البشر
وهو قوله عليه السلام : "ما من مولود إلا وقد يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" يعني : (بيني بريده) "حتى تكونوا أنتم تجدعونها" أي : تقطعون أنفها معناه كل مولود إنما يولد في مبدأ الخلقة وأصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد :
بابدان ياركشت همسر لوط
خاندان نبوتش كم شد
سك اصحاب كهف روزى ند
ى نيكان كرفت ومردم شد