واعلم أن القرآن شفاء للمرض الجسماني أيضا روي أنه مرض للأستاذ أبي القاسم القشيري قدس سره ولد مرضا شديدا بحيث أيس منافشق ذلك على الأستاذ فرأى الحق سبحانه في المنام فشكا إليه فقال الحق تعالى : اجمع آيات الشفاء واقرأها عليها واكتبها في إناء واجعل فيه مشروبا واسقه إياه ففعل ذلك فعوفي الولد وآيات الشفاء في القرآن ست ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ (التوبة : 14) ﴿وشفآء لما فى الصدور﴾ (يونس : 57) ﴿فيه شفآء للناس﴾ (النحل : 69) ﴿وننزل من القرءان ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين﴾ (الإسراء : 82) ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (الشعراء : 80) ﴿قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء﴾ (فصلت : 44).
قال تاج الدين السبكي رحمه الله في طبقاته : ورأيت كثيرا من المشايخ يكتبون هذه الآيات للمريض ويسقاها في الإناء طلبا للعافية وقوله عليه السلام : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" يشمل الاستشفاء به للمرض الجسماني والروحاني.
قال الشيخ التميمي رحمه الله في "خواص القرآن" : إذا كتبت الفاتحة
194
في إناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل المريض وجهه عوفي بإذن الله فإذا شرب من هذا الماء من يجد في قلبه تقلبا أو شكا أو رجيفا أو خفقانا يسكن بإذن الله وزال عنه ألمه وإذا كتبت بمسك في إناء زجاج ومحيت بماء ورد وشرب ذلك الماء البليد الذي لا يحفظ يشربه سبعة أيام زالت بلادته وحفظ ما يسمع.
فعلى العاقل أن يتمسك بالقرآن ويداوي به مرضه وقد ورد : "القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فذنوبكم وأما دواؤكم فالاستغفار" فلا بد من معرفة المرض أولا فإنه ما دام لم يعرف نوعه لا تتيسر المعالجة وأهل القرآن هم الذين يعرفون ذلك فالسلوك بالوسيلة أولى.
﴿وإذآ أنعمنا﴾ (وون أنعام كنيم ما) ﴿على الانسان﴾ بالصحة والسعة ﴿أعرض﴾ (روي بكرداند ازشكرما) ﴿وإذآ أنعمنا﴾ (وبنفس خود دور شود وكرانه كيرد يعني تكبر وتعظم نمايد واز طريق حق برطرف كردد) فهو كناية عن الاستكبار والتعظم لأن نأي الجانب وتحويل الوجه من ديدن المستكبرين يقال : نأيته وعنه بعدت وكذا ناء ﴿وإذا مسه الشر﴾ من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الأنعام إلى ضمير الجلالة إيذان بأن الخبر مراد بالذات والشر ليس كذلك ﴿كان يا وسا﴾ شديد اليأس من روح الله وفضله وهذا وصف للجنس باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذه الصفة ولا ينافيه قوله تعالى : ﴿وإذا مسه الشر فذو دعآء عريض﴾ (فصلت : 51) ونظائره فإن ذلك شأن بعض منهم.
جزء : 5 رقم الصفحة : 194
﴿قل كل﴾ من المؤمنين والكافرين ﴿يعمل﴾ عمله ﴿على شاكلته﴾ طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة ، يعني : (هركس آن كندكه ازوسزد) :
هركسى آن كند كزوشايد
من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطرق التي تشعب منه.
قال في "القاموس" : الشاكلة الشكل والناحية والنية والطريقة والمذهب ﴿فربكم﴾ الذي برأكم على هذه الطبائع المختلفة ﴿أعلم بمن هو أهدى سبيلا﴾ أسد طريقا وأبين منهاجا أي : يعلم المهتدي والضال فيجازي كلا بعمله.
وفي الآية إشارة إلى أن الأعمال دلائل الأحوال ، وفي "المثنوي" :
درزمين كرنيشكر وروخودنيست
ترجمان هرزمين نبت ويست
فمن وجد نفسه في خير وطاعة وشكر فليحمد الله تعالى كثيرا ومن وجدها في شر وفسق وكفران ويأس فليرجع قبل أن يخرج الأمر في يده.
روي أن ملكا صاحب زينة واسع المملكة كثير الخزينة اتخذ ضيافة وجمع أمراءه وأحضر ألوان الأطعمة والأشربة فلما أرادوا التناول إذا طرق رجل حلقة الباب بحيث تزلزل السرير فقال له الغلمان : ما هذا الحرص وسوء الأدب أيها الفقير اصبر حتى نأكل ونطعمك فقال : مالي حاجة إلى طعامكم وإنما أريد الملك فقالوا : مالك وللملك فطرق ثانيا أشد من الأول فقصدوا إليه بالسلاح فصاح صيحة وقال : مكانكم أنا ملك الموت جئت أقبض روح ملك دار الفناء فبطلت حواسهم وقواهم عن الحركة فاستمهل الملك فأبى فتأسف وقال : لعن الله المال فإنه غرني فاليوم خرجت صفر اليد وبقي نفعه للأعداء وحسابه وعذابه علي فأنطق الله المال فقال : لا تلعنني بل العن نفسك فإني كنت مسخرا لك وكنت مختارا فالآن لم تترك الظلم لاعتيادك حتى تسب البريء والمذنب أنت
195
ففي هذه الحكاية أمور :
الأول : أن الله تعالى أنعم على هذا الملك بالملك والمال والجاه والجلال فأعرض عن شكرها ولم يقيدها به ، سعدي :
خردمند طبعان منت شناس
بدوزند نعمت بميخ ساس
والثاني : أنه مسه الموت فكان يؤسا من فضل الله حيث اشتغل باللعن والسب بدل التوبة والتوجه إلى الله تعالى والله تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر ، سعدي :
طريقي بدست آر وصلحى بجوى
شفيعي برا نكيز وعذري بكوى
كه يكلحظه صورت نبندد امان
ون يمانه رشد بدور زمان