تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو الهيثم : أجمع أمره جعله مجموعا بعد ما كان متفرقا وتفرقه إنه يقول مرة افعل كذا وأخرى كذا وإذا عزم على أمر واحد فقد أجمعه أي : جعله جميعا.

والمعنى فاعزموا على أمركم الذي تريدون بي من السعي في إهلاكي.

وشركاءكم بالنصب على أن الواو بمعنى (مع) أي : مع آلهتكم التي تزعمون أن حالكم تقوى بالتقرب إليها واجتمعوا فيه على أي : وجه يمكنكم.

قال الكاشفي : (ملخص آيت آنكه شما همه بقصد من اتفاق كنيد).

ثم للتراخي في الرتبة.

لا يكن أمركم ذلك عليكم غمة أي : مستورا من غمه إذا ستره واجعلوه ظاهرا مكشوفا تجاهرونني به فإن الستر إنما يصار إليه لسد باب تدارك الخلاص بالهرب أو نحوه فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للستر وجه.

ثم اقضوا إلي أي : أدوا إلي وأوصلوا ذلك الأمر الذي تريدون بي وامضوا ما في أنفسكم أوأدوا إلي ما هو حق عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضى الرجل غريمه ولا تنظرون ولا تمهلوني بل عجلوا ذلك باشد ما تقدرون عليه من غير انتظار وإنما خاطبهم بذلك إظهارا لعدم المبالاة بهم وإنهم لن يجدوا إليه سبيلا ، وثقة بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وحفظه.

فإن توليتم أي : إن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري ودمتم عليه وجواب الشرط محذوف ، أي : فلا باعث لكم على التولي ولا موجب ، وقوله تعالى : فما سألتكم بمقابلة وعظى وتذكيري علة له.

من أجر أي : شيء من حطام الدنيا تؤدونه إلي حتى يؤدي ذلك إلى توليكم إما لثقله عليكم أو لكونه سببا لاتهامكم إياي بأن تقولوا إنما يعظنا ويذكرنا طمعا لنيل الأجر والمال قبلنا.

إن أجرى إلا على الله أي : ما ثوابي على العظة

66

والتذكير إلا عليه يثيبني به آمنتم أو توليتم.

وأمرت أن أكون من المسلمين ممن أسلم وجههفلا يأخذ على تعليم الدين شيئا ، وأيضا إن المتعين لخدمة لا يجوز له أن يأخذ عليها أجرة والأنبياء والأولياء متعينون لخدمة الإرشاد ، ومن علم بالحسبة ولم يأخذ له عوضا ، فقد عمل عمل الأنبياء عليهم السلام ، وقد جوز المتأخرون أخذ الأجرة على التعليم والتأذين والإمامة والخطابة وغير ذلك لكن ينبغي للآخذ إخلاص النية في عمله وإلا فقد جاء الوعيد.

قال السعدي :

زيان ميكند مرد تفسيردان

كه علم وادب ميفر وشدبنان

بدين اي فرومايه دين مخر

وخر بانجيل عيسى مخر

واعلم أن المعلم الناصح إذا رغب في إصلاحك وإصلاح غيرك حتى يود لو أن الناس كلهم صلحوا على يديه فإنما يرغب في ذلك ليكثر أتباع محمد لما سمعه يقول : إني مكاثر بكم الأمم وهذا مقام رفيع لغناه عن عظة في إرشاده ، وإنما غرضه إقامة جاه محمد وتعظيمه كما يحكى إن رابعة العدوية كانت تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وتقول ما أريد بها ثوابا ولكن ليسر بها رسول الله ، ويقول للأنبياء انظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها في اليوم والليلة ، فإذا تعلقت نية المعلم والعامل بهذا يجازيهما الله على ذلك من حيث المقام.

جزء : 4 رقم الصفحة : 65

﴿فكذبوه﴾ عطف على قوله : قال لقومه أي : أتل عليهم نبأ نوح إذ قال : لقومه كذا ، وكذا فأصروا على تكذيبه تمردا وعنادا فتولوا عن تذكيره فحقت عليهم كلمة العذاب فأغرقوا فنجيناه من الغرق ، والفاء فصيحة تفصح عن كون الكلام مشتملا على الحذف والتقدير كما قدرنا ، ومن استقر معه في الفلك وكانوا ثمانين أربعين رجلا وأربعين امرأة كما في البستان ، أو فنجيناهم في هذا المكان فإن أنجاءهم وقع في الفلك فعلى هذا يتعلق في الفلك بنجيناه ، وعلى الأول يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به معه وجعلناهم خلائف أي : سكان الأرض وخلفا ممن غرق وهلك.

قال : في البستان : لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم إلا أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم كما قال تعالى : وجعلنا ذريته هم الباقين}(الصافات : 77) فتوالدوا حتى كثروا فالعرب ولعجم والفرس والروم كلهم من ولد سام ، والحبش والسند والهند من أولاد حام ، ويأجوج ومأجوج والصقلاب والترك من أولاد يافث ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ .

قال حضرة الشيخ الشهير : بأفتاده أفندي : تأثير طوفان نوح يظهر في كل ثلاثين سنة مرة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السيل.

فانظر كيف كان عاقبة المنذرين وهم قوم نوح وفيه تحذير لمن كذب الرسول وتسلية له.

محالست ون دوست داردترا

كه دردست دشمن كذارد ترا

جزء : 4 رقم الصفحة : 67

ثم بعثنا أي : أرسلنا.

من بعده أي : بعد نوح رسلا التكثير للتفخيم ذاتا ووصفا ، أي : رسلا كراما ذوي عدد كثير إلى قومهم كل رسول إلى قومه خاصة كما يستفاد من إضافة القوم إلى ضميرهم مثل هود إلى عاد ، وصالح إلى ثمود ، وإبراهيم إلى قوم بابل ، وشعيب إلى قوم الأيكة وأهل مدين وغير ذلك ممن قص منهم ومن لم يقص.

فجاؤهم أي : جاء كل رسول قومه المخصوصين به.

بالبينات بالمعجزات الواضحة مثبتة لدعواهم ،

67

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٣٦