تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : "أن الشيطان من الرجل في ثلاثة منازل في عينيه وفي قلبه وفي ذكره وهو من المرأة في ثلاثة منازل في عينيها وفي قلبها وفي عجزها" ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله﴾ أي : حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج منها الحربي ﴿إلا بالحق﴾ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها ، وذلك بالكفر بعد الإيمان ، والزنى بعد الإحصان ، وقتل النفس المعصومة ، وهذا هو الحكم الخامس ، وفي القتل ترك تعظيم أمر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين.

والإشارة : أن القتل الحق هو القتل في طلب الحق والمقتول في سبيل الله هو حي عند ربه.

وعن أبي سعيد الخراز : كنت بمكة فجزت يوما بباب بني شيبة ، فرأيت شابا حسن الوجه ميتا فنظرت في وجهه فتبسم في وجهي ، وقال لي : يا أبا سعيد أما علمت أن الأحباب أحياء وإن ماتوا وإنما ينقلون من دار إلى دار.

مشو بمرك زامداد أهل دل نوميد

كه خواب مردم آكاه عين بيداريست

﴿ذالكم﴾ إشارة إلى ما ذكر من التكاليف الخمسة.

﴿وصاكم به﴾ أي : أمركم ربكم بحفظه أمرا مؤكدا.

﴿لعلكم تعقلون﴾ أي : تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ أي : لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه واليتيم من الإنسان من لا أب له ومن الحيوان من لا أم له والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿إلا بالتى هى أحسن﴾ إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره.

﴿حتى يبلغ أشده﴾ غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه.

جزء : 3 رقم الصفحة : 115

وجعل أبو حنيفة غاية الأشد خمسا وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن معتوها.

قال الجوهري : ﴿حتى يبلغ أشده﴾ أي : قوته وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين وهو واحد جاء على

118

بناء الجمع مثل آنك وهو الأسرب ولا نظير لهما وكان سيبويه يقول واحدته شدة ، وهذا هو الحكم السادس ، وإنما وصى الله تعالى بحفظ مال اليتيم لأنه عاجز فتولى الله أمره وأمر بالشفقة والنظر في حقه.

ألا تانكريدكه عرش عظيم

بلرزد همي ون بكريديتيم

﴿وأوفوا الكيل﴾ في المكيلات أي أتموه ولا تنقصوا منه شيئا ﴿والميزان﴾ في الموزونات وهو بالفارسي (ترازو) ﴿بالقسط﴾ حال من فاعل أوفوا ، أي : أوفوهما مقسطين أي ملتبسين بالقسط وهو العدل.

فإن قيل إيفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما فائدة التكرير؟.

قلنا إن الله تعالى أمر المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذه من غير طلب زيادة.

﴿لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ إلا ما يسعها ولا يعسر عليها ، وذكره عقيب الأمر للإيذان بأن مراعاة العدل عسير فعليكم بما في وسعكم ، وما وراءه معفو عنكم فإذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن ووقعت فيه زيادة يسيرة أو نقصان يسير لم يؤاخذه به إذا اجتهد جهده ، وإن أعيد الكيل على ذلك فزاد أو نقص لم يثبت التراجع إذا كان ذلك القدر من التفاوت مما يقع بين الكيلين ، وأما التقصير القصدي فليس بمعفو وينبغي الاحتياط بقدر الإمكان روي عن بعضهم أنه قال لبعض الناس وهو في النزع وكان يعامل الناس بالميزان ، قل : لا إله إلا الله فقال : ما أقدر أقولها ، لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها ، قال فقلت له : أما كنت توفي الوزن؟ قال : بلى ولكن ربما كان يقع في الميزان شيء من الغبار لا أشعر به.

وعن مالك بن دينار أنه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من النار بين يدي أكلف الصعود عليهما ، قال مالك : فسألت أهله ، فقالوا كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت أحدهما بالآخر حتى كسرتهما ، ثم سألت الرجل ، فقال : ما يزداد الأمر إلا شدة.

وهذا هو الحكم السابع.

والإشارة أوفوا بكيل العمر ، وميزان الشرع حقوق الربوبية ، واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية لا نكلف نفسا في إيفاء الحقوق واستيفاء الحظوظ إلا بحسب استعدادها.

جزء : 3 رقم الصفحة : 115

هركس بقدر بال ور خويش مى رد

﴿وإذا قلتم﴾ قولا في حكومة أو شهادة أو نحوهما.

﴿فاعدلوا﴾ فيه ﴿ولو كان﴾ المقول له أو عليه.

﴿ذا قربىا﴾ أي : ذا قرابة منكم ولا تميلوا نحوهم أصلا لأن مداد الأمر اتباع الحق المشروع وطلب مرضاة الله تعالى فلا فرق بين ذي قرابة وأجنبي ، وهذا هو الحكم الثامن وحقيقة العدل في الكلام أن يذكر الله ، ولا يذكر معه غيره وأن يتكلموفي الله وبالله وهذا لا يتيسر إلا لأرباب التحقيق فإن كلام غيرهم مشوب بالغرض والدعوى.

بأنك هدهدكر بياموزد فتى

راز هدهكوو يغام سبا

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩١