تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿سيقول الذين أشركوا لو شآء الله﴾ عدم إشراكنا ﴿مآ أشركنا﴾ نحن ﴿ولا ءابآؤنا ولا حرمنا من شىء﴾ أرادوا به أن ما فعلوه حق مرضى عند الله تعالى.

﴿كذالك﴾ أي : كهذا التكذيب وهو قولهم إنا إنما أشركنا وحرمنا لكون ذلك مشروعا مرضيا عند الله تعالى وإنك كاذب فيما قلت من أن الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرمتموه.

﴿كذب الذين من قبلهم﴾ أي : متقدموهم الرسل.

﴿حتى ذاقوا﴾ غاية لامتداد التكذيب ﴿بأسنآ﴾ الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم.

﴿قل هل عندكم من﴾ زائدة ﴿علم﴾ من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم.

﴿فتخرجوه لنآ﴾ فتظهروه لنا.

﴿إن تتبعون إلا الظن﴾ أي : ما تتبعون فيما أنتم عليه من الشرك والتحريم إلا الظن الباطل من غير علم ويقين.

﴿وإن أنتم إلا تخرصون﴾ تكذبون على الله تعالى.

جزء : 3 رقم الصفحة : 115

﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ الفاء جواب شرط محذوف

115

أي وإذا قد ظهر أن لا حجة لكم فلله الحجة البالغة أي البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان.

﴿فلو شآء﴾ هدايتكم جميعا ﴿لهدااكم أجمعين﴾ بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم لصرف اختيارهم إلى سلوك طريق الحق وضلال آخرين لصرف هممهم إلى خلاف ذلك.

﴿قل هلم﴾ اسم فعل ، أي أحضروا ﴿شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هاذا﴾ وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم ومذهبهم ولا من يشهد بصحة دعواهم كائنا من كان ولذلك قيد الشهداء بالإضافة إليهم وإنما أمروا باستحضارهم ليلزمم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم.

﴿فإن شهدوا﴾ بعدما حضروا بأن الله تعالى حرم هذا.

﴿فلا تشهد معهم﴾ أي : فلا تصدقهم فإنه كذب محض وبين لهم فساده.

﴿ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالاخرة﴾ كعبدة الأوثان والموصول الثاني عطف على الموصول الأول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتخاذ الموصوف ، فإن من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس.

﴿وهم بربهم يعدلون﴾ أي : يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون ، والمعنى : لا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين الإشراك به سبحانه لكن لا على أن يكون مدار النهي المذكور بل عن أن أولئك جامعون لها متصفون بكلها.

واعلم : أن الله تعالى أحل الطيبات ورد ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من تحريم من عند أنفسهم ؛ لأن الدين يبتنى على الوحي لا على الهوى وحرم الخبائث كالخمر والميتة والدم والخنزير وغير ذلك ، أي : تناولها وبيعها لأن ما يحرم تناوله يحرم بيعه وأكل ثمنه بخلاف ما إذا كان الانتفاع بغير ذلك كشحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس فإن ذلك ليس بحرام ، وما حرمه الله تعالى إما أن يكون بلاء ونقمة كما فعل اليهود وجزاء على أنفسهم ، وإما أن يكون رحمة ومنة لعلمه أن فيه ضررا نفسانيا أو روحانيا ، فالنفساني كضرر السم وأمثاله ، والروحاني كضرر لحوم السباع والمؤذيات وأمثالها فإنه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية كما قال عليه السلام : "الرضاع يغير الطباع".

جزء : 3 رقم الصفحة : 115

ومن ثم لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرتضع ثدي غير أمه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه ، وأدخل أصبعه في فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا : يسهل علي موته ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه ، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة فعلم أن من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقهما من خير وشر ، وكذا لحوم الحيوانات لها تأثير عظيم وفي الحديث : "عليكم بألبان البقر وسمنانها ، وإياكم ولحومها فإن ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء" وقد صح أن النبي عليه السلام "ضحى عن نسائه بالبقر".

قال الحليمي : هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاصه ذلك به وهذا التأويل المستحسن وإلا فالنبي عليه السلام لا يتقرب إلى الله تعالى بالداء ، فهو إنما قال ذلك في البقر لتلك اليبوسة.

وجواب آخر إنه عليه السلام ضحى بالبقر لبيان الجواز أو لعدم تيسر غيره كذا في "المقاصد الحسنة".

ومن فوائد سمن البقر أنه لو شرب منه على الريق خمسين درهما

116

ينفع للجنون ويؤثر في دفعه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٨٩