جزء : 3 رقم الصفحة : 112
والآية محكمة ؛ لأنها تدل على أنه عليه السلام لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية غيره ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك في شيء آخر.
قال في "التأويلات النجمية" : يشير بالميتة إلى ميتة الدنيا فإنها جيفة مستحيلة ، كما قال بعضهم :
وما هي إلا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها
وإن تجتذبها نازعتك كلابها وفي الحديث : "أوحى الله إلى داود يا داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها يجرونها أفتحب أن تكون كلبا مثلهم فتجر معهم" قال الحافظ :
همايى ون توعالى قدر حرص استخوان حيفست
دريغاسايه همت كه بر نا هل افكندي
والدم المسفوح هو الشهوات واللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير هو كل رجس من عمل الشيطان كما قال : ﴿إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ وحقيقة الرجس الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه كما جاء في الخبر "لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى" ، أي : اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت فالرجس ما يبعدك عن الحق أو فسقا أهل لغير الله به ، أي : خروجا عن طلب الحق في طلب غير الحق.
قال السعدي :
خلاف طريقت بود كاوليا
تمنا كنند ازخدا جز خدا
فالشروع في هذه الأشياء محرم ؛ لأنها تحرمك من الله وقرباته إلا أن يكون بقدر ما يدفع الحاجة الإنسانية فإن الضرورات تبيح المحظورات.
قال بعضهم في قوله عليه السلام : "تمعددوا واخشوشنوا" أي اقتدوا بمعد بن عدنان والبسوا الخشن من الثياب وامشوا حفاة فهو حث على التواضع ونهى عن الإفراط في الترفه والتنعم كما قال عليه السلام : "إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين".
بناز ونعمت دنيا منه دل
كه دل برداشتن كاريست مشكل
114
فعلى العاقل أن يكون أزهد الناس في الدنيا ويتجرد عن الأسباب كالأنبياء وكمل الأولياء.
وعن بعضهم قال : رأيت فقيرا ورد على بئر ماء في البادية ، فأدلى ركوته فيها فانقطع حبله ووقعت الركوة فيها فأقام زمانا ، وقال وعزتك لا أبرح إلا بركوتي ، أو تأذن لي في الانصراف عنها قال فرأيت ظبية عطشانة جاءت إلى البئر ونظرت فيها وفاض الماء وطفح على البئر ، وإذا بركوته على فم البئر فأخذها وبكى ، وقال : إلهي ما كان لي عندك محل ظبية ، فهتف به هاتف يا مسكين جئت بالركوة والحبل وجاءت الظبية ذاهبة عن الأسباب لتوكلها علينا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 112
ففي هذه الحكاية ما يدل على كمال الانقطاع عن غير الله تعالى.
﴿وعلى الذين هادوا﴾ أي : على اليهود خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين.
﴿حرمنا كل ذى ظفر﴾ كل ما له أصبع سواء كان ما بين أصابعه منفرجا كأنواع السباع والكلاب والسنانير ، أو لم يكن منفرجا كالإبل والنعام والإوز والبط وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم.
﴿ومن البقر والغنم﴾ متعلق بقوله : ﴿حرمنا عليهم شحومهمآ﴾ لا لحومهما فإنها باقية على الحل.
والشحوم الثروب وشحوم الكليتين.
﴿إلا ما حملت ظهورهمآ﴾ استثناء من الشحوم ، أي : إلا ما اشتملت على الظهور والجنوب من شحم الكتفين إلى الوركين من داخل وخارج.
﴿أو الحوايآ﴾ عطف على ظهورهما ، أي : أو إلا الذي حملته الأمعاء واشتمل عليها.
جمع الحوية كما في "الصحاح" وهي المباعر والمصارين.
﴿أو ما اختلط بعظم﴾ عطف على ما حملت وهو شحم الألية واختلاطه بالعظم اتصاله بالعصص وهو عجب الذنب أي عظمه وأصله ويقال إنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى.
﴿ذالك﴾ الجزاء ﴿جزيناهم﴾ أي : اليهود ﴿ببغيهم﴾ أي : بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم ، وقد أنكروا ذلك وادعوا أنها لم تزل محرمة على الأمم الماضية فرد عليهم ذلك وأكد بقوله تعالى : ﴿وإنا لصادقون﴾ أي : في الإخبار عن كل شيء لا سيما في الإخبار عن التحريم المذكور وفي الإخبار عن بغيهم.
﴿فإن كذبوك﴾ أي : اليهود والمشركون فيما فصل من أحكام التحليل والتحريم.
﴿فقل ربكم ذو رحمة واسعة﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال.
﴿ولا يرد بأسه﴾ عذابه ﴿عن القوم المجرمين﴾ حين ينزل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 112