قال في "التأويلات النجمية" : ﴿لا تدركه الابصار﴾ أي لا تلحقه المحدثات لا الأبصار الظاهرة ولا الأبصار الباطنة تقدست صمديته عن كل لحوق ودرك ينسب إلى مخلوق ومحدث بل ﴿وهو يدرك الابصارا وهو اللطيف الخبير * قد جآءكم بصآئر من﴾ من أن يدركه المحدثات أو يلحقه المخلوقات.
﴿الخبير﴾ بمن يستحق أن يتجلى له الحق ويدرك أبصارها باطلاعه عليها فيستعدها للرؤية ومن لطف الله أنه أوجد الموجودات وكون المكونات فضلا منه وكرما من غير أن يكون استحقاقها للوجود انتهى ولو رآه إنسان في الموطن الدنيوي لوجب عليه شكره ولو شكره لاستحق الزيادة ولا مزيد على الرؤية ولذلك حرمها وهذا هو المعنى في قوله عليه السلام : لن تروا ربكم حتى تموتوا.
قال ابن عطاء : إتمام النعيم بالنظر إلى وجه الله الكريم على الوجه اللائق بجلاله في الدار الآخرة حسبما جاء الوعد الصدق بذلك كما في الدنيا إذ غالب النصوص يقتضي منع ذلك بل يكاد يقع الإجماع على نفي وقوع ذلك ومنعه شرعا وإن جاز عقلا انتهى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 76
وأما الرؤية في المنام : فقد
79
حكيت عن كثير من السلف كأبي حنيفة.
وعن أبي يزيد رحمه الله : رأيت ربي في المنام فقلت له كيف الطريق إليك؟ فقال : اترك نفسك ثم تعال.
وروي عن حمزة القارىء أنه قرأ على الله القرآن من أوله إلى آخره في المنام حتى إذا بلغ إلى قوله : وهو القاهر فوق عباده} (الأنعام : 18) قال الله تعالى يا حمزة وأنت القاهر ولا خفاء في أن الرؤية في المنام نوع مشاهدة يكون بالقلب دون العين وفي الحديث : "رأيت ربي في المنام في صورة شاب امرد" وسر تجليه في صورة الإنسانية بصفة الربوبية أن الحقيقة الإنسانية أجمع الحقائق فإنه تعالى لما استخلف الإنسان وجعله خاتما على خزائن الدنيا والآخرة ظهر جيمع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في النشأة الإنسانية الجامعة بين النشأة العنصرية والروحانية وإليه يشير قوله عليه السلام : "إن الله خلق آدم على صورته" وإطلاق الصورة على الحق مجاز باعتبار أهل الظاهر إذ لا تستعمل في الحقيقة إلا في المحسوسات ففي المعقولات مجاز ، وأما عند المحققين فحقيقة لأن العالم الكبير بأسره صورة الحضرة الإلهية ومظاهر أسمائها بحضراتها تفصيلا وإجمالا والإنسان الكامل صورته جمعا.
فإن قلت : الرؤية أقوى أنواع الإدراك أم العلم.
قلت : قد قيل بالأول ولهذا يتلذذ المؤمنون برؤية الله تعالى فوق ما يتلذذون بمعرفته.
قال الإمام في "الإحياء" : إن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنها أوضح وأتم من العلم فإذا جاز تعلق العلم به ليس في جهة جاز تعلق الرؤية من غير جهة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك من غير كيفية وصورة.
قال بعضهم : الرؤية أعلى من المعرفة لأن العارفين مشتاقون إلى منازل الوصال والواصلون لا يشتاقون إلى منازل المعرفة.
وقال بعضهم : المعرفة ألطف والرؤية أشرف.
قال حضرة الشيخ الشهير بأفتاده أفندي قدس سره : وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لا على وجه مشاهدة سائر الأشياء فإنه تعالى منزه عن الكيف والأين بل هي عبارة عن ظهوره وانكشاف الوجود الحقيقي عند اضمحلال وجود الرائي وفنائه انتهى.
أقول : فظهر من هذا أن من فنى عن ذاته وصفاته وأفعاله واضمحل عن بشريته وهويته فجائز أن يرى الله تعالى في الدنيا بالبصيرة بعد الانسلاخ التام.
ون تجلى كرد اوصاف قديم
س بسوزد وصف حادث راكليم
جزء : 3 رقم الصفحة : 76
وذلك كالشمس في الجلاء لا يكابر فيه أحد أصلا ؛ لأن القلب من عالم المكوت والبصيرة كالبصر له وعالم الملكوت مطلق عن قيود الأمور الوهمية التي هي الزمان والمكان والجهة والكيفية وغيرها ؛ لأنها من أحكام عالم الملك فأين هذا من ذاك ولا يقاس أحدهما على الآخر وحقيقة ذوق هذا المطلب الأعلى لا تعرف إلا بالسلوك.
قال الحافظ :
شكر كمال حلاوت س از رياضت يافت
نخست درشكن ننك ازان مكان كيرد
ثم اللطيف من يعلم دقائق المصالح وغوامضها وما دق منها وما لطف ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف وإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تم معنى اللطيف ولا يتصور كمال ذلك في العلم والفعل إلاتعالى وحظ العبد من هذا الوصف الرفق بعباد الله تعالى والتلطف بهم في الدعوة إلى الله تعالى والهداية إلى سعادة الآخرة
80
من غير إزراء وعنف ومن غير تعصب وخصام وأحسن وجوه اللطف فيه الجذب إلى قبول الحق بالشمائل والسير المرضية والأعمال الصالحة فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزينة.
قال الشيخ الأكبر قدس سره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولم يقل صلوا كما قلت لكم لأن الفعل أرجح في نفس التابع المقتدي من القول كما قيل :
وإذا المقال مع الفعال وزنته
رجح الفعال وخف كل مقال انتهى : وفي "المثنوي" :