تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وما من دآبة فى الأرض﴾ من زائدة لتأكيد الاستغراق وفي متعلقة بمحذوف هو وصف الدابة أي وما فرد من أفراد الدواب يستقر في قطر من أقطار الأرض.

﴿ولا طائر﴾ من الطيور من ناحية من نواحي الجو ﴿يطير بجناحيه﴾ كما هو المشاهد المعتاد ، فقيد الطيران بالجناح تأكيد كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي أو هو قطع لمجاز السرعة لأنه يقال طار فلان في الأرض ، أي : أسرع.

﴿إلا أمم أمثالكم﴾ محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها ﴿ما فرطنا فى الكتاب من شىء﴾ يقال فرط في الشيء ضيعه وتركه أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي بينا أنه تعالى مراع فيها لمصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي بل قد بينا كل شيء إما مفصلا أو مجملا أما المفصل فكقوله تعالى : ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين﴾ (المائدة : 45) وأما المجمل : فكقوله تعالى : ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا اللها إن الله﴾ (الحشر : 7) روي أن الامام الشافعي كان جالسا في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلا أجيبكم فيه من كتاب الله تعالى؟ فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور فقال : لا شيء عليه فقال أين هذا في كتاب الله فقال قال الله تعالى : ﴿وما نهاكم عنه﴾ الآية ثم ذكر إسنادا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله أنه قال : (للمحرم قتل الزنبور) ﴿ثم إلى ربهم﴾ أي : الأمم ﴿يحشرون﴾ يوم القيامة إلى ربهم لا إلى غيره فيقضي

27

بينهم.

جزء : 3 رقم الصفحة : 21

﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي : القرآن ﴿صم﴾ لا يسمعونها سمع تدبر وفهم فلذلك يسمونها أساطير الأولين ولا يعدونها من الآيات ويقترحون غيرها.

وهو جمع أصم والمقصود تشبيه حالهم بحال الأصم لكن حذف حرف التشبيه للمبالغة.

﴿وبكم﴾ لا يقدرون على أن ينطقوا بالحق ولذلك لا يستجيبون دعوتك ، وهو جمع أبكم ﴿فى الظلمات﴾ أي : ظلمات الكفر خبر ثالث للمبتدأ.

﴿من يشإ الله﴾ إضلاله أي أن يخلق فيه الضلال ﴿يضلله﴾ أي : يخلقه فيه لكن لا ابتداء بطريق الجبر من غير أن يكون له دخل ما في ذلك بل عند صرف اختياره إلى كسبه وتحصيله ﴿ومن يشأ﴾ هدايته ﴿يجعله على صراط مستقيم﴾ لا يضل من ذهب إليه ولا يزل من ثبت قدمه عليه.

وفي الآيات أمور :

الأول : إن غير الإنسان من الأمم أيضا وفي الحديث : "لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم".

وذلك لأن الكلب الأسود شيطان لكونه أعقر الكلاب وأخبثها وأقلها نفعا وأكثرها نعاسا ومن هذا قال أحمد بن حنبل لا يحل الصيد به والإشارة إن ما يدب في أرض البشرية ويتحرك كالسمع والبصر واللسان والأعضاء كلها والنفس وصفاتها وكذا ما يطير بجناحي الشريعة والطريقة كالقلب والروح وصفاتها أمم أمثالكم في السؤال عن أفعالهم وأحوالهم يدل عليه قوله تعالى : ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مساولا﴾ (الإسراء : 36).

والثاني : إن الحشر عام كما قال أبو هريرة رضي الله عنه يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء كما في الحديث : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" ، أي : يقص للشاة التي لا قرن لها من التي لها قرن.

جزء : 3 رقم الصفحة : 28

قال ابن ملك : وفيه دلالة على حشر الوحوش كما قال الله تعالى : ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ (التكوير : 5) لكن القصاص فيها قصاص مقابلة لا قصاص تكليف انتهى ، ثم يقال للبهائم والوحوش والطيور كوني ترابا فتكون ترابا مثل تراب أرض ذلك العالم وعند ذلك يتمنى الكافر ويقول : يا ليتنى كنت ترابا} (النبأ : 40).

قال الحدادي : والمراد بهذا الإفناء للبهائم بعد أن أحياها أنه أفناء لا يكون فيه ألم.

والثالث : إن الذين ختم الله على قلوبهم فهم كالأصم والأبكم الأصليين ومن خاصة الأبكم أن يكون أصم ، كما قال في "المثنوي" :

دائما هرك أصلي كنك بود

ناطق آنكس شدكه ازمادرشود

ون سليمان سوى مرغان سبا

يك صفيرى كردبست آن جمله راجزمكر مرغى كه بدي جان ور

ياوماهى كنك بوداز اصل كر

نى غلط كفتم كه كركر سرنهد

يش وحى كبريا سمعش دهد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٢٢