والإشارة الحياة التي تكون بالتمتعات الدنيوية النفسانية كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان تزيد في الحجب والسير من البشرية إلى الروحانية بترك الشهوات والأعراض عن غير الحق والإقبال على الله خير للذين يتقون عما سوى الله بالله أفلا تعقلون أن الله تعالى خلقكم لهذا الشأن لا لغيره كما قال : ﴿واصطنعتك لنفسى﴾ (طه : 41) اللهم احفظنا من تضييع العمر واهدنا إلى حقيقة الأمر إنك أنت الوهاب الهادي.
﴿قد نعلم﴾ قد هنا للتكثير والمراد بكثرة علمه تعالى كثرة تعلقه ﴿أنه﴾ أي : الشأن.
﴿ليحزنك﴾ يا محمد.
﴿الذى يقولون﴾ فاعل يحزنك والعائد محذوف ، أي : الذي يقوله كفار مكة وهو ما حكى عنهم من قولهم ﴿إن هاذآ إلا أساطير الاولين﴾ (الأنفال : 31) ونحو ذلك ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ أي : لا تعتد بما يقولون وكله إلى الله تعالى فإنهم في تكذيبهم آيات الله لا يكذبونك في الحقيقة.
﴿ولاكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ أي : ولكنهم يكذبون بآيات الله وينكرونها فما يفعلون في حقك فهو راجع إلي في الحقيقة لأنك فانن عما سوى الله باقق بالله وأنا انتقم منهم لا محالة أشد انتقام والمراد بالظلم جحودهم والجحود عبارة عن الإنكار مع العلم بخلافه والباء متعلقة بالفعل والتقديم للقصر يقال جحد حقه وبحقه إذا أنكره.
جزء : 3 رقم الصفحة : 21
﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن البلية إذا عمت طابت أي وبالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وذو عدد كثير أو كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك.
﴿فصبروا على ما كذبوا وأوذوا﴾ أي : على تكذيبهم وإيذائهم.
﴿حتى أتاهم نصرنا﴾ أي : كان غاية صبرهم نصر الله تعالى إياهم فتأس بهم واصطبر على ما نالك من قومك والنصر الموعود للصابرين يحتمل أن يكون بطريق إظهار الحجج والبراهين ويحتمل أن يكون بطريق القهر والغلبة أو بإهلاك الأعداء.
قال الحافظ :
اي دل صبور باش ومخور غم كه عاقبت
أين شام صبح كردد واين شب سحر شود
وقال أيضا :
كرت ونوح نبي صبر هست برغم طوفان
بلا بكردد وكان هزار ساله بر آيد
﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ أي : مواعيده بالنصرة والغلبة كما قال تعالى : ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات : 171 173).
﴿ولقد جآءك من نبإى المرسلين﴾ أي من خبرهم ما يسكن به قلبك وهو نصره تعالى إياك.
وقال المولى أبو السعود : والجار
25
والمجرور في محل الرفع على أنه فاعل إما باعتبار مضمونه أي بعض نبأ المرسلين أو بتقدير الموصوف أي بعض من نبأ المرسلين.
﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم﴾ أي عظم عليك وشق إعراضهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن وعدم عدهم له من قبيل الآيات وأحببت أن تجيبهم إلى ما سألوا اقتراحا لحرصك على إسلامهم ﴿فإن استطعت أن تبتغى نفقا﴾ أي : سربا ومنفذا ﴿فى الأرض﴾ تنفذ فيه إلى جوفها.
قال ابن الشيخ : النفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يخرق الأرض إلى القعر ثم يصعد من ذلك إلى وجه الأرض من جانب آخر ﴿أو سلما﴾ مصعدا.
﴿فى السمآء﴾ تعرج به فيها.
﴿فتأتيهم﴾ منها ﴿بااية﴾ مما اقترحوه والجواب محذوف ، أي : فافعل وجملة الشرطية الثانية جواب للشرطية الأولى والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه وإنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء لإيمانهم وإيثار الابتغاء على الاتخاذ ونحوه للإيذان بأن ما ذكر من النفق والسلم مما لا يستطاع ابتغاؤه فكيف باتخاذه.
﴿ولو شآء الله﴾ هدايتهم ﴿لجمعهم على الهدى﴾ ولكن لم يشأ ذلك لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى مع تمكنم منه ومشاهدتهم للآيات الداعية إليه فلم يؤمنوا فلا تتهالك عليه.
﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ بالحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة بدقائق شؤونه تعالى التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم.
وفي الآية تربية وتأديب للنبي عليه السلام من الله تعالى كما قال عليه السلام : "إن الله أدبني فأحسن تأديبي" لئلا يبالغ في الشفقة على غير أهلها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 21
﴿إنما يستجيب﴾ أي : يقبل دعوتك إلى الإيمان.
﴿الذين يسمعون﴾ ما يلقى إليهم سماع فهم وتدبر دون الموتى الذين هؤلاء منهم : قال الحافظ :
كوهر اك ببايدكه شود قابل فيض
ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود