﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أي ما من اليهود والنصارى أحد ﴿إلا ليؤمنن به﴾ أي بعيسى ﴿قبل موته﴾ أي قبل موت ذلك الأحد من أهل الكتاب يعني إذا عاين اليهودي أمر الآخرة وحضرته الوفاة ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالت : أتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت به فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف وتقول للنصراني أتاك عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله فزعمت أنه هو الله وابن الله فيؤمن بأنه عبد الله حين لا ينفعه إيمانه قالوا : لا يموت يهودي ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وإن احترق أو غرق أو تردى أو سقطه عليه جدار أو أكله سبع أو أي ميتة كانت حتى قيل لابن عباس رضي الله عنهما لو خر من بيته قال يتكلم به في الهواء قيل : أرأيت لو ضرب عنق أحدهم قال يتلجلج به لسانه وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإيمان قبل أن يضطروا إليه ولم ينفعه إيمانهم.
وقيل : الضميران لعيسى والمعنى وما من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى من السماء أحد إلا ليؤمنن به قبل موته.
جزء : 2 رقم الصفحة : 320
روي عن النبي عليه السلام أنه قال : "أنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ويوشك أنه ينزل فيكم حكما عدلا فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض وكأن رأسه يقطر وإن لم تصبه بلل فيقتل الخنزير ويريق الخمر ويكسر الصليب ويذهب الصخرة ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير ملة الإسلام وتكون السجدة واحدةرب العالمين ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال حتى لا يبقى أحد من أهل الكتاب وقت نزوله إلا يؤمن به وتقع الأمنة في زمانه حتى ترتع الإبل مع الأسود والبقرة مع النمور والغنم مع الذئاب وتلعب الصبيان بالحيات لا يؤذي بعضهم بعضا ثم يلبث في الأرض أربعين سنة ثم يموت ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه" وفي الحديث : "أن المسيح جاىء فمن لقيه فليقرئه مني السلام" ﴿ويوم القيامة يكون﴾ أي : عيسى عليه السلام ﴿عليهم﴾ أي على أهل الكتاب ﴿شهيدا﴾ فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود الأشباه والأشكال صادر عن اليهود ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها حرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم كلحوم الإبل وألبانها والشحوم.
وفي "التأويلات النجمية" نكتة قال لهم : ﴿حرمنا عليهم طيبات﴾ وقال لنا : ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ وقال : ﴿مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا﴾ فلم يحرم علينا شيئا بذنوبنا وكما آمنا من تحريم الطيبات في هذه الآية نرجو أن يؤمننا في الآخرة من العذاب الأليم لأنه جمع بينها في الذكر في هذه الآية.
وقال أهل الإشارة ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات وأنا أقول الإسراف في ارتكاب المباحات يوجب حرمان المناجاة انتهى كلام "التأويلات ، قال السعدي :
مرو دري هره دل خواهدت
جزء : 2 رقم الصفحة : 320
كه تمكين تن نور جان كاهدت
320
﴿وبصدهم عن سبيل الله﴾ أي : بسبب منعهم عن دين الله وهو الإسلام ناسا ﴿كثيرا﴾ أو صدا كثيرا ﴿وأخذهم الربوا وقد﴾ أي : والحال أنهم قد ﴿نهوا عنه﴾ فإن الربا كان محرما عليهم كما هو محرم علينا.
وفيه دليل على أن النهي يدل على حرمة المنهي عنه ﴿وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة ﴿وأعتدنا﴾ أي : خلقنا وهيأنا ﴿للكافرين منهم﴾ أي : للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم ﴿عذابا أليما﴾ وجيعا يخلص وجعه إلى قلوبهم سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم ﴿لاكن الراسخون فى العلم منهم﴾ أي التائبون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وسماهم راسخين في العلم لثباتهم في العلم وتجردهم فيه لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه بمنزلة الشجرة الراسخة بعروقها في الأرض ﴿والمؤمنون﴾ أي : من غير أهل الكتاب من المهاجرين والأنصار ﴿يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك﴾ خبر المبتدأ وهو الراسخون وما عطف عليه.