تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى لقابل نقتتل بها إن شئت فقال صلى الله عليه وسلم "إن شاء الله" فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله في قلبه الرعب وبدا له أن يرجع فمر به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين أو لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال : يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر إلا أن هذا العام عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن ارجع ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل وضمنها سهيل بن عمرو فجاء نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم : ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد أي لم يتخلص إلا شريد وهو الفار النافر المبعد أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد فأثر هذا الكلام في قلوب قوم منهم فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منهم قال : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في سبعين راكبا كلهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل" ﴿فزادهم﴾ القول ﴿إيمانا﴾ والمعنى لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله وازداد اطمئنانهم وأظهروا حمية الإسلام وأخلصوا النية عنده ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه ﴿ونعم الوكيل﴾ أي : الموكول إليه هو أي الله.

﴿فانقلبوا بنعمة من الله﴾ الفاء فصيحة ، أي : خرجوا إليهم ووافوا الموعد فرجعوا من مقصدهم ملتبسين بنعمة عظيمة لا يقادر قدرها كائنة من الله تعالى وهي العافية والثبات على الإيمان والزيادة فيه وحذر العدو منهم ﴿وفضل﴾ أي : ربح في التجارة عظيم ﴿لم يمسسهم سواء﴾ سالمين من السوء أي لم يصبهم أذى ولا مكروه.

جزء : 2 رقم الصفحة : 126

روي أنه صلى الله عليه وسلم وافى بجيشه بدرا الصغرى وكانت موضع سوق لبني كنانة يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام ولم يلق صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هناك أحدا من المشركين وأتوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا اريا وزبيبا وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا

127

السويق ﴿واتبعوا﴾ في كل ما أتوا من قول وفعل وهو عطف على انقلبوا ﴿رضوان الله﴾ الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجرأتهم وخروجهم ﴿والله ذو فضل عظيم﴾ حيث تفضل بالتثبيت وزيادة الإيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد والتصلب في الدين وإظهار الجرأة على العدو وحفظهم من كل ما يسوؤهم مع إصابة النفع الجليل.

وفي تحسير لمن تخلف عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء وروي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم.

﴿إنما ذالكم﴾ أي المثبط أيها المؤمنون وهو مبتدأ ﴿الشيطان﴾ خبره ﴿يخوف أوليآءه﴾ المنافقين غلبة المشركين وقهرهم ليقعدوا عن قتالهم فهم المنافقون الذين في قلوبهم مرض وقد تخلفوا عن رسول الله في الخروج والمعنى أن تخويفه بالكفار إنما يتعلق بالمنافقين الذين هم أولياؤه وأما أنتم أيها المؤمنون فأولياء الله وحزبه الغالبون لا يتعلق بكم تخويفه ﴿فلا تخافوهم﴾ أي الشيطان وأولياءه من أبي سفيان وغيره ﴿وخافون﴾ في مخالفة أمري ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله عز وجل على خوف غيره ويستدعي الأمن من شر الشيطان وأوليائه.

والخوف على ثلاثة أقسام : خوف العام وهو من عقوبة الله ، وخوف الخاص وهو من بعد الله ، وخوف الأخص وهو من الله وإلى هذه المراتب أشار النبي عليه السلام بقوله : "أعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك" فعلى السالك أن يفنى عن نفسه وصفاتها ولا يرى في الكون وجودا غير وجوده فلا يخاف إلا منه فإنه هو القاهر فوق عباده وهو الكافي جميع الأمور.

قال نجم الدين الكبرى قدس سره آخر مقام الخلة أن يكبر على نفسه وجميع المكونات أربع تكبيرات ويتحقق له أن الله حسبه من كل شيء وهو نعم الوكيل عن نفسه وما سواه ، قال الحافظ الشيرازي :

جزء : 2 رقم الصفحة : 126

من همان دمكه وضو ساختم ازشمه عشق

ار تكبير زدم بكسره بر هره كه هست

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٠٤