أي : ما أردتم إيتاءه كما في قوله تعالى : ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ (النخل : 98) ﴿بالمعروف﴾ متعلق بسلمتم أي : بالوجه المتعارف المستحسن شرعا وليس التسليم بشرط للصحة والجواز بل هو ندب إلى ما هو الأليق والأولى فإن المراضع إذا أعطين ما قدر لهن ناجزا يدا بيد كان ذلك أدخل في إصلاح شؤون الأطفال.
وقيل : المراد من المعروف أن يكون الأجر من الحلال لأن المرضع إذا أكلت الحلال كان اللبن أنفع للصبي وأقرب إلى صلاحه قالوا : العادة جارية أن من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقها من خير وشر ولذا قيل إنه ترضعه امرأة صالحة كريمة الأصل فإن لبن المرأة الحمقاء يسري وأثر حمقها يظهر يوما ما وفي الحديث : "الرضاع يغير الطباع"
365
ومن ثمه لما دخل الشيخ أبي محمد الجويني بيته ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرتضع ثدي غير أمه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وأدخل أصبعه في فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل علي موته ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه ثم لما كبر الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة ﴿واتقوا الله﴾ في شأن مراعاة الأحكام المذكورة في أمر الأطفال والمراضع ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ فيجازيكم بذلك ، وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى.
قال الحسين الكاشي :
كر برهنه بره برون آيى
زود در تهمت جنون آيى
جامه ظاهري كه نست ببر
توفضيحت شوى ميان بشر
فكر آن كن كه بي لباس ورع
ه كنى درمقام هول وفزع
خويشتن در لباس تقوى دار
تاشوى دردوكون بر خوردار
والآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الأخلاق في أحكام العشرة بل إنها اشتملت على شيوع الرحمة والشفقة على البرية فإن من لا يرحم لا يرحم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمن ذكر أنه لم يقبل أولاده "إن الله لا ينزع الرحمة إلا من قلب شقي" وفي الحديث : "حب الأولاد ستر من النار وكراماتهم جواز على الصراط والأكل معهم براءة من النار" وفي الحديث : "أربع نفقات لا يحسب العبد بهن يوم القيامة : نفقة على أبويه ، ونفقة على إفطاره ، ونفقة على سحوره ، ونفقة على عياله" واللطف والمرحمة ممدوح جدا عموما وخصوصا وفي الحديث : "إن امرأة بغيا رأيت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له فغفر لها" قال البخاري : فنزعت خفها فأوثقته أي : أحكمته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك والحديث يدل على غفران الكبيرة من غير توبة وهو مذهب أهل السنة وعلى أن من أطعم محتاجا إلى الغذاء يستحق المثوبة والجزاء.
فعلى العاقل العمل بالكتاب والسنة.
جزء : 1 رقم الصفحة : 361
﴿والذين يتوفون منكم﴾ أي : يموتون ويقبض أرواحهم بالموت.
وقرىء بفتح الياء أي : يستوفون آجالهم وأعمارهم.
وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا يقال : توفى الشيء واستوفاء فمن مات فقد أخذ عمره وافيا كاملا واستوفاء ﴿ويذرون أزواجا﴾ أي : يتركون نساء من بعدهم وهو جمع زوج المنكوحة تسمى زوجا وزوجة والتذكير أغلب قال تعالى : ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ (البقرة : 35) ويجمع أزواجا على لغة التذكير وزوجات على لغة التأنيث ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ الباء للتعدية أي : يجعلنها متربصة منتظرة بعد موتهم لئلا يبقى المبتدأ بلا عائد ﴿أربعة أشهر وعشرا﴾ أي : في تلك المدة فلا يتزوجن إلى انقضاء العدة قوله عشرا أي : عشرة أيام وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأن التاريخ عند العرب بالليلة بناء على أنها أول الشهر واليوم تبع لها ولعل الحكمة في تقدير عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر أن الجنين إذا كان ذكرا يتحرك غالبا لثلاثة أشهر وإن كان أنثى يتحرك لأربعة فاعتبر أقصى الأجلين وزيد عليه العشر استظهارا أي : استعانة بتلك الزيادة على العلم بفراغ الرحم إذ ربما تضعف الحركة في المبادى فلا يحسن بها وكانت عدة الوفاة في أول الإسلام سنة فنسخت بهذه إلا الحوامل فإن عدتها بوضع الحمل قال تعالى :
365