تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتسلية المخزون وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وتصفية اللون وإنطاق الفتى العي وتهييج الهمة ، ومنافع الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وانتفاع الفقراء بلحم الجزور فإنهم كانوا يفرقونها على المحتاجين ، قال الواقدي : وربما قمر الواحد منهم في مجلس مائة بعير فيصيب مالا عظيما بلا نصب ولا ثمن ثم يعطيه المحتاجين فيكتسب المدح والثناء

جزء : 1 رقم الصفحة : 336

﴿وإثمهمآ أكبر من نفعهما﴾ وفي الخمر إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهي تسفه الحليم ويصير شاربها بحيث يلعب ببوله وعذرته وقيئه كما ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ويقول الحمدالذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا ، وفي الميسر أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه وقصده بالسوء ، قال المفسرون تواردت في الخمر أربع آيات نزلت يمكة ﴿ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ (النحل : 67) فطفق المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا : افتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل فنزلت ﴿يسالونك عن الخمر والميسر﴾ الآية فشربها قوم وقالوا نأخذ منفعتها ونترك إثمها وتركها آخرون وقالوا لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه دعا ناسا منهم فشربوا وسكروا قام أحدهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون إلى آخر السورة بدون لا في لا أعبد فنزلت ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (النساء : 43) الآية فقل من يشربها وقالوا لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم في غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحو إذا جاء وقت الظهر ثم اتخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى رسول الله وشكا إليه الأنصاري فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل ﴿إنما الخمر والميسر﴾ (المائدة : 90) في المائدة إلى قوله : ﴿فهل أنتم منتهون﴾ (المائدة : 91) فقال عمر : انتهينا يا رب ، وحرمت الخمر في السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الأحزاب بأيام ، قال القفال والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أنه تعالى علم أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم به كثيرا وعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق ثم لما نزل التحريم أريقت الخمر ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : خرجنا بالحباب إلى الطريق فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حينا كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم الله عليهم شيئا أشد من الخمر.

جزء : 1 رقم الصفحة : 336

روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي عليه السلام : إن الله تعالى شكر لجعفر الطيار رضي الله عنه أربع خصال كان عليها في الجاهلية وهو عليها في الإسلام فسأل النبي عليه الصلاة والسلام جعفرا عن ذلك فقال : يا رسول الله لولا أن الله أطلعك عليها لما أخبرتك بها ما شربت الخمر قط لأني رأيتها تزيل العقل

339

وأنا إلى أن أزيد فيه أحوج مني إلى أن أزيله ، وما عبدت صنما قط لأني رأيته لا يضر ولا ينفع وما زنيت قط لغيرتي على أهلي ، وما كذبت قط لأني رأيته دناءة.

قال عمرو بن الأدهم من أكابر سادة بني تميم ذاما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شيء أنفس منه فالعجب لمن يشتري الحمق بماله فيدخله في رأسه فيقيء في جيبه ويسلح في ذيله ، وعن علي رضي الله عنه لو وقعت قطرة في بئر فبنيت في مكانها منارة لم أوذن عليها ولو وقعت في بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم أرعه ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما لو أدخلت أصبعي فيها لم تتبعني وهذا هو الإيمان والتقى حقا فينبغي للمسلم أن لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع عن شاربها فإنه إذا خالط شارب الخمر يخاف عليه أن يصيبه من عثاره ، قال الحسين الواعظ الكاشي :

ترار حمان همى كويدكه أي : مؤمن مخورباده

ترا ترسا همى كويدكه در صفرا مخور حلوا

نمى ماني زنا اكي براي كفته رحمان

بماني شهد وشكررا براي كفته تراس

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ٢٧٨