بمكة عارض ﴿أكبر عند الله﴾ خبر للأشياء المعدودة أي : هذه الأشياء الأربعة أكبر إثما وعقوبة من قتل المسلمين ابن الحضرمي في الشهر الحرام لأن القتال يحل بحال والكفر لا يحل بحال ولأنهم كانوا متأولين في القتال لأنهم شكوا في اليوم ولا تأويل للكفار في الكفر ﴿والفتنة﴾ أي : ما ارتكبوه من الإخراج والشرك وصد الناس عن الإسلام ابتداء وبقاء ﴿أكبر من القتل﴾ أي : أفظع من قتل الحضرمي في الشهر الحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت ﴿ولا يزالون يقاتلونكم﴾ بيان لاستحكام عداوتهم وإصرارهم على الفتنة في الدين أي : لا يزال الكفار عن قتالكم أيها المؤمنون ﴿حتى يردوكم عن دينكم﴾ أي : كي يصرفوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل ﴿إن استطاعوا﴾ إشارة إلى تصلبهم في الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأنى لهم ذلك وهو كقول الرجل لعدوه إن ظفرت بي فلا تبق علي ولا ترحمني وهو واثق بأنه لا يظفر به وهو تطييب لقلوب المؤمنين ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ إظهار التضعيف لسكون الدال الثانية وبالفتح والإدغام على التحريك لالتقاء الساكنين بأخف الحركات والارتداد النكوص وهو تحذير من الارتداد أي : من يفعل ذلك بإضلالهم وإغوائهم ﴿فيمت وهو كافر﴾ بأن لم يرجع إلى الإسلام ، وفيه ترغيب في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد إلى حين الموت فأولئك المصرون على الارتداد إلى حين الموت ﴿حبطت﴾ بطلت وتلاشت ﴿أعمالهم﴾ التي كا
جزء : 1 رقم الصفحة : 333
نوا عملوها في حالة الإسلام حبوطا لا تلافي له قطعا ﴿فى الدنيا﴾ وهو قطع حياته وقتله عند الظفر به لارتداده وفوات موالاة المسلمين ونصرهم والثناء الحسن وزوال النكاح وحرمانه من مواريث المسلمين ونحو ذلك مما يجري على نفس المرتد وأهله وماله ﴿والاخرة﴾ وهو الثواب وحسن المآب لأن عبادتهم لم تصح في الدنيا فلم يجازوا عليها في الآخرة وليس المراد من إحباط العمل إبطال نفس العمل لأن الأعمال أعراض كما توجد تفنى وتزول وإعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من أن الردة الحادثة تزيل ثواب الإيمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته ، وظاهر الآية يقتضي أن تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الأحكام المذكورة وهي حبوط الأعمال في الدنيا والآخرة وكون صاحبها من أصحاب النار خالدا فيها وأن لا يثبت شيء من هذه الأحكام إن أسلم المرتد بعد ردته ولهذا احتج الشافعي بهذه الآية على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت صاحبها عليها وعند أبي حنيفة رحمه الله أن الردة تحبط الأعمال مطلقا أي : وإن رجع مسلما تمسكا بعموم قوله تعالى : ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ (الأنعام : 88) وقوله : ﴿ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله﴾ (المائدة : 5) ويتفرع عليك مسألتان :
الأولى : أن جماعة من المتكلمين قالوا شرط صحة الإيمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الإيمان إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه وأيضا لا يكون الكفر كفرا إلا إذا مات الكافر عليه.
والمسألة الثانية أن المسلم إذا صلى ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم في الوقت قال الشافعي لا إعادة عليه ، وقال أبو حنيفة يلزمه قضاء ما أدى وكذا الكلام في الحج
335
﴿وأوالائك أصحاب النار﴾ ملازموها ﴿هم فيها خالدون﴾ كدأب سائر الكفرة فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله وسبب الارتداد عدم اليقين وإلا فكيف يحوم حول الموحد الحقيقي شيطان وشرك وهو قد تخلص من البرازخ والقيود ووصل إلى الرب المعبود والعمل الصالح هو ما أريد به وجه الله فإن غيره فاسد لا ينفع لصاحبه أصلا ، قال الحافظ :
فرداكه يشكاه حقيقت شود بديد
شرمنده رهروي كه عمل برمجاز كرد
جزء : 1 رقم الصفحة : 333
وأحسن الحسنات التوحيد لأنه أس الكل ولذلك لا يوزن قال عليه السلام : "إن كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة إلا شهادة أن لا إله إلا الله فإنها لا توضع في ميزان لأنها لو وضعت في ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والأرضون السبع ما فيهن كان لا إله إلا الله أرجح من ذلك" وجميع الأعمال الصالحة يزيد في نور الإيمان ، فعليك بالطاعة والحسنات والوصول إلى المعارف الإلهية فإن العلم بالله أفضل الأعمال ولذلك لما قيل : يا رسول الله أي : الأعمال أفضل؟ قال : "العلم بالله" فقيل : نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال : "إن قليل العمل ينفع مع العلم وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل" وذلك إنما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وأنواع الأذكار ولا يعقلها إلا العالمون.
قال في "المثنوي" :
ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز