روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم "كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة" وتلا هذه الآية.
وإنما خص الصبر والصلاة بالذكر لأن الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليها لأنها مجمع أنواع الطاعات من الأركان والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما لا يتيسر حفظه إلا بتوفيق الله تعالى.
قال عصام الدين قدم الترك على الفعل لأن التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفي في كلمة التوحيد واكتفى بذكر الصلاة لأن الخطاب لكل من المؤمنين والمشترك بين الجميع بعد الإيمان الصبر عن المعاصي والصلاة وأما الزكاة فمختصة بأصحاب النصاب وأما الحج فبأصحاب الاستطاعة والصوم صبر عن معصية الأكل والشرب وغيرهما ﴿إن الله مع الصابرين﴾ بالنصرة وإجابة الدعوة فمعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة لهما ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية.
قال عصام الدين في "التفسير الأجل" إن الله مع الصابرين لأن الصابرين لا يذهلون عن ذكره بخلاف المجتنبين عن الصبر فإن قلوبهم لاهية عن ذكر الله والقلب اللاهي عنه ممتلىء من هموم الدنيا وإن كانت الدنيا بأسرها له انتهى كلامه.
إن قيل : لم قال ﴿إن الله مع الصابرين﴾ ولم يقل مع المصلين وقال في الآية الأخرى ﴿واستعينوا بالصبر والصلواةا وإنها لكبيرة﴾ (البقرة : 45) فاعتبر الصلاة دون الصبر.
قيل لما كان فعل الصلاة أشرف وأعلى من الصبر إذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر ههنا الصابرين فمعلوم أنه تعالى إذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الأولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على أنها أشرف منزلة من الصبر.
واعلم أن الصبر الذي هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة إلى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فإن أول التوبة الصبر عن المعاصي وأول الزهد الصبر عن المباحات وأول الإرادة الصبر وطلب ترك ما سوى الله تعالى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" وقال : "الصبر خير كله" فمن تحلى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعات والاجتناب عن المنكرات وكذا الصلاة قال تعالى : ﴿اتل مآ أوحى إليك من الكتاب﴾ (العنكبوت : 45) :
جزء : 1 رقم الصفحة : 255
صبر كن حافظ بسختي روز وشب
عاقبت روزي بيابي كام را
وفي الحديث "إذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل؟ قال : فيقوم ناس وهم يسيرون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون إنا نراكم سراعا إلى الجنة فمن أنتم قالوا نحن أهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم؟ قالوا : كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء
257
إلينا عفونا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين ، ثم ينادي مناد أين أهل الصبر فيقوم ناس يسيرون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون إنا نراكم سراعا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون : نحن أهل الصبر فيقولون : ما كان صبركم قالوا : كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله فيقال لهم : ادخلوا الجنة ثم ينادي مناد أين المتحابون في الله فيقوم ناس يسيرون سراعا إلى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون من أنتم؟ فيقولون : نحن المتحابون في الله فيقولون وما كان تحابكم في الله؟ قالوا : كنا نتحاب في الله والجنة" كذا في "نزهة القلوب".
﴿ولا تقولوا﴾ نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلا : ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون : ﴿لمن يقتل﴾ في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فأنزل الله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل القتل نقض البنية الحيوانية ﴿في سبيل الله﴾ وهو الجهاد لأنه طريق إلى ثواب الله ورحمته ﴿أموات﴾ أي : هم أموات ﴿بل أحيآء﴾ أي : كالأحياء في الحكم لا ينقطع ثواب أعمالهم لأنهم قتلوا لنصرة دين الله فما دام الدين ظاهرا في الدنيا وأحد يقاتل في سبيل الله فلهم ثواب ذلك لأنهم سنوا هذه السنة ﴿ولاكن لا تشعرون﴾ كيف حالهم في حياتهم وفيه رمز إلى أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي.
وفي الآية دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه الجمهور.
فإن قلت الحياة الروحانية المستتبعة لإدراك اللذة والألم مشتركة في الجميع فما وجه تخصيص الشهداء بها؟ قلت : لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة ومن لم يبلغ منزلتهم لا تكون حياته معتدا بها فكأنه ليس بحي قال تعالى في حق أهل النار ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ (طه : 74).
جزء : 1 رقم الصفحة : 255