وجعل صاحب "التيسير" قوله تعالى : فاذكروني أمرا بالقول وقوله : واشكروا لي أمرا بالعمل.
قال الراغب : إن قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا قيل : شكرت له هو أن تعتبر إحسانه الصادر عنه فتثني عليه بذلك وشكرته إذا لم تلتفت إلى فعله بل تجاوزت إلى ذكر ذاته دون اعتبار أحواله وأفعاله فهو أبلغ من شكرت له وإنما قال : واشكروا لي ولم يقل واشكروني علما بقصورهم عن إدراكه بل عن إدراك آلائه كما قال تعالى : ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوهآ﴾ (إبراهيم : 34) فأمرهم أن يعتبروا بعض أفعاله في الشكر﴿ولا تكفرون﴾ بجحد النعم وعصيان الأمر.
فإن قيل : لم قال بعد واشكروا لي ولا تكفرون ولم يقتصر على قوله واشكروا لي.
قلنا لو اقتصر على قوله واشكروا لي لكان يجوز أن يتوهم أن من شكره مرة أو على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله ولا تكفرون لكان يجوز أن يتوهم أن ذلك نهي عن تعاطي فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لإزالة هذا التوهم ولأن في قوله ولا تكفرون تنبيها على أن ترك الشكر كفران.
فإن قيل : لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لي؟ قيل : خص الكفر به تعالى بالنهي عنه للتنبيه على أنه أعظم قباحة بالنسبة إلى كفر نعمه فإن كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا في "تفسير الراغب" "الأصفهاني".
قال بعض العلماء لما خص الله هذه الأمة بفضل قوة وكمال بصيرة وبالنسبة إلى بني إسرائيل قال لهم : يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم} (البقرة : 40) فأمرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها إلى المنعم وقال لهذه الأمة ﴿فاذكرونى﴾ فأمرهم أن يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم ، قال الصائب :
جزء : 1 رقم الصفحة : 255
درسر هرخام طينت نشئة منصور نيست
هرسفالي را صداي كاسه فغفور نيست
قال الإمام الغزالي : الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤوا كتابه.
وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع : أحدها أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا في الجواب عن الشبه العارضة في ملك الله.
وثانيها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل.
وثالثها : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى يصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له.
وأما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله : ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ (الجمعة : 9) فصار الأمر بقوله : متضمنا لجميع الطاعات ولهذا ذكر عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل
256
فيه جميع أنواع الذكر وأقسامه انتهى كلام الإمام.
قال لقمان لابنه يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله تعالى فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك جاهلا علموك ولعل الله يطلع عليهم برحمته فيصيبك معهم وإذا رأيت قوما لا يذكرون فلا تجلس معهم فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك وإن تك جاهلا يزيدوك جهلا أو غيا ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم اللهم اجعلنا من الذاكرين.
يا اأيها الذين ءامنوا استعينوا} في كل ما تأتون وما تذرون ﴿بالصبر﴾ على الأمور الشاقة على النفس كالصبر عن المعاصي وحظوظ النفس ﴿والصلواة﴾ التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ومثاب رب العالمين.
جزء : 1 رقم الصفحة : 255