تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال تعالى : ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ (الأعراف : 182) قال سهل في معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا.

وقال أبو العباس بن عطاء : يعني كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة فعلى العاقل أن لا يغتر بالزخارف الدنيوية بل لا يفرح بشيء سوى الله تعالى فإن ما خلا الله باطل وزائل والاغترار بالزائل الفاني من قضية كمال العقل والفهم والعرفان.

فإن قلت : ما الحكمة في إمهال الله العصاة في الدنيا؟ قيل : إن الله تعالى أمهل عباده ولم يأخذهم بغتة في الدنيا ليري العباد سبحانه وتعالى أن العفو والإحسان أحب إليه من الأخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه ولهذا خلق النار كرجل يضيف الناس ويقول : من جاء إلى ضيافتي أكرمته

228

ومن لم يجىء فليس عليه شيء ويقول مضيف آخر من جاء إلي أكرمته ومن لم يجىء ضربته وحبسته ليتبين غاية كرمه وهو أكمل وأتم من الكرم الأول والله تعالى دعا الخلق إلى دعوته بقوله : ﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ (يونس : 25) ثم دفع السيف إلى رسوله فقال : من لم يجب ضيافتي فاقتله فعلى العاقل أن يجيب دعوة الله ويرجع إلى الله بحسن اختياره فإنه هو المقصود والكعبة الحقيقية وكل القوافل سائرة إليه.

واعلم أن البلد هو الصورة الجسمانية والكعبة القلب والطواف الحقيقي هو طواف القلب بحضرة الربوبية وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر وهو في عالم الملكوت كما أن الهيكل الإنساني مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب والذي يقدر من العارفين على الطواف الحقيقي القلبي هو الذي يقال في حقه إن الكعبة تزوره.

وفي الخبر "إنعبادا تطوف بهم الكعبة" وفرق بين من يقصد صورة البيت وبين من يقصد رب البيت.

وروي أن عارفا من أولياء الله تعالى قصد الحج وكان له ابن فقال ابنه : إلى أين تقصد؟ فقال : إلى بيت الله فظن الغلام أن من يرى البيت يرى رب البيت قال : يا أبي لم لا تحملني معك؟ فقال : أنت لا تصلح لذلك فبكى الغلام فحمله معه فلما بلغا الميقات أحرما ولبيا ودخلا الحرم فلما شوهد البيت تحرم الغلام عند رؤيته فخر ميتا فدهش والده وقال : أين ولدي وقطعة كبدي فنودي من زاوية البيت : أنت طلبت البيت فوجدته وهو طلب رب البيت فوجد رب البيت فرفع الغلام من بينهم فهتف هاتف أنه ليس في حيز ولا في الأرض ولا في الجنة بل هو في مقعد صدق عند مليك مقتدر فمن أعرض سره عن الجهة في توجهه إلى الله صار الحق قبلة له فيكون هو قبلة الجميع كآدم عليه السلام كان قبلة الملائكة لأنه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه من كسوة جماله وجلاله قال الشيخ العطار قدس سره في "منطق الطير" :

جزء : 1 رقم الصفحة : 227

حق تعالى كفت آدم غير نيست

كور شمي وترا اين سير نيست

شد نفخت فيه من روح آشكار

سر جانان كشت بر خاك استوار

وقال في محل آخر :

از دم حق آمدي آدم تويى

أصل كرمنا بني آدم تويى

قبله كل آفر ينش آمدي

اي تاسر عين بينش آمدي

اللهم أوصلنا إلى العين وخلصنا من البين.

جزء : 1 رقم الصفحة : 227

﴿وإذ يرفع إبراهام القواعد من البيت﴾ حكاية حال ماضية حيث عبر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع في الزمان المتقدم على زمان نزول الوحي بأن يقدر ذلك الرفع السابق واقعا في الحال كأنك تصوره للمخاطب وتريه على وجه المشاهدة والعيان.

والقواعد جمع قاعدة وهي في الأصل صفة بمعنى الثابتة ثم صارت بالغلبة من قبيل الأسماء بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر ولعل لفظ القعود حقيقة في الهيئة المقابلة للقيام ومستعار للثبات والاستقرار تشبيها له بها في أن كلا منهما حالة مباينة للانتقال والنزول.

وقوله ﴿من البيت﴾ حال من القواعد وكلمة من ابتدائية لا بيانية لعدم صحة أن يقال التي هي البيت.

فإن قلت رفع الشيء أن يفصل عن الأرض ويجعل عاليا مرتفعا والأساس أبدا ثابت على

229

الأرض فما معنى رفعه؟ قلت : المراد برفع الأساس البناء عليه وعبر عن البناء على الأساس برفعه لأن البناء ينقله من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع فيوجد الرفع حقيقة إلا أن أساس البيت واحد وعبر عنه بلفظ القواعد باعتبار أجزائه كأن كل جزء من الأساس أساس لما فوقه والمعنى واذكر يا محمد وقت رفع إبراهيم أساس البيت أي : الكعبة.

﴿وإسماعيل﴾ ولده وكان له أربعة بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين وهو عطف على إبراهيم وتأخيره عن المفعول مع أن حق ما عطف على الفاعل أن يقدم على المفعول للإيذان بأن الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبع له قيل : إنه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٨٣