تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وإذ قال إبراهام﴾ أي : واذكر يا محمد إذ دعا إبراهيم فقال : ﴿رب اجعل هاذا﴾ المكان وهو الحرم ﴿بلدا ءامنا﴾ ذا أمن يأمن فيه أهله من القحط والجدب والخسف والمسخ والزلازل والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من المثلات التي تحل بالبلاد فهو من باب النسب أي : بلدا منسوبا إلى الأمن كلابن وتامر فإنهما لنسبة موصوفهما إلى مأخوذهما كأنه قيل لبني وتمري فالإسناد حقيقي أو المعنى بلدا آمنا أهله فيكون من قبيل الإسناد المجازي لأن الأمن الذي هو صفة لأهل البلد حقيقة قد أسند إلى مكانهم للملابسة بينهما وكان هذا الدعاء في أول ما قدم إبراهيم عليه السلام مكة لأنه لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها إلى الشام تبعته هاجر فجعلت تقول إلى من تكلنا في هذا البلقع أي : المكان الخالي من الماء والنبات وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آ أمرك بهذا؟ فقال : نعم قالت : إذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى إذا استوى على ثنية كداء أقبل على الوادي فقال : ﴿ربنآ إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع﴾ (إبراهيم : 37) إلى آخر الآية ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾ جمع ثمرة وهي المأكولات مما يخرج من الأرض والشجر فهو سؤال الطعام والفواكه وقيل : هي الفواكه وإنما خص هذا بالسؤال لأن الطعام المعهود مما يكون في كل موضع وأما الفواكه فقد تندر فسأل لأهله الأمن والسعة مما يطيب العيش ويدوم فاستجاب له في ذلك لما روي أنه لما دعا هذا الدعاء أمر الله جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار إليها فأتى فقلعها وجاء بها وطاف بها حول البيت سبعا ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهي الطائف ولذلك سميت به ومنها أكثر ممرات مكة ويجيء إليه

227

أيضا من الأقطار الشاسعة حتى أنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد ﴿من ءامن منهم بالله واليوم الاخر﴾

جزء : 1 رقم الصفحة : 227

بدل من أهله والمعنى وارزق المؤمنين خاصة ﴿قال﴾ الله تعالى ﴿ومن كفر﴾ معطوف على محذوف أي : ارزق من آمن ومن كفر قاس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الإمامة حيث سأل الرزق لأجل المؤمنين خاصة كما خص الله تعالى الإمامة بهم في قوله تعالى : ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ فلما رد سؤاله الإمامة في حق ذريته على الإطلاق حسب أن يرد سؤاله الرزق في حق أهل مكة على الإطلاق فلذلك قيد بالإيمان تأدبا بالسؤال الأول فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم ﴿فأمتعه﴾ أي : أمد له ليتناول من الدنيا إثباتا للحجة عليه ﴿قليلا﴾ أي : تمتيعا قليلا فإن الدنيا بكليتها قليلة وما يتمتع الكافر به منها قليل من القليل فإن نعمته تعالى في الدنيا وإن كانت كثيرة بإضافة بعضها إلى بعض فإنها قليلة بإضافتها إلى نعمة الآخرة وكيف لا يقل ما يتناهى بالإضافة إلى ما لا يتناهى فقليلا صفة مصدر محذوف ويجوز أن يكون صفة ظرف محذوف أي : أمتعه زمانا قليلا وهو مدة حياته ﴿ثم أضطره إلى عذاب النار﴾ الاضطرار في اللغة حمل الإنسان على ما يضره وهو في المتعارف حمل الإنسان بكفره على أن يفعل ما أكره عليه باختياره ترجيحا لكونه أهون الضررين فلا شيء أشد من عذاب النار حتى يكره الكفار به ليختاروا عذاب النار لكونه أهون منه فلا يكون اضطرارهم إلى عذاب النار مستعملا في معناه العرفي فهو مستعار للزهم وإلصاقهم به بحيث يتعذر عليهم التخلص منه كما قال تعالى : ﴿يوم يسحبون فى النار على وجوههم﴾ (القمر : 48) فإنه صريح في أن لا مدخل لهم في لحوق عذاب الآخرة بهم ولا اختيار إلا أنهم سموا مضطرين إليه مختارين إياه على كره تشبيها لهم بالمضطر الذي لا يملك الامتناع عما اضطر إليه فالمعنى ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم بحيث لا يمكنه الامتناع منه ﴿وبئس المصير﴾ المخصوص بالذم محذوف أي : بئس المرجع الذي يرجع إليه للإقامة فيه النار أو عذابها فللعبد في هذه الدنيا الفانية الإمهال أياما دون الإهمال إذ كل نفس تجزى بما كسبت ولا تغرنك الزخارف الدنيوية فإن للمطيع والعاصي نصيبا منها وليس ذلك من موجبات الرفعة في الآخرة.

قال الحافظ :

جزء : 1 رقم الصفحة : 227

بمهلتي كه سهرت دهد زراه مرو

تراكه كفت كه آن زال ترك دستان كفت

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ١ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ١ · ص ١٨٢