أو اليهود الموجودون في عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع أسلافهم أي : اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم بأن ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ أي : أن لا تعبدوا فلما أسقط إن رفع تعبدون لزوال الناصب أو على أن يكون إخبارا في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد به الأمر أي : اذهب وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لما فيه من إيهام من المنهي حقه أن يسارع إلى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهي أي : لا توحدوا إلا الله ولا تجعلوا الألوهية إلاوقيل إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل وأحلفناهم وقلنا بالله لا تعبدون إلا الله ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أي : وتحسنون إحسانا على لفظ تعبدون لأنه إخبار أو وأحسنوا على معناه لأنه إنشاء أي : برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله ﴿وذى القربى﴾ أي : وتحسنون إلى ذي القرابة أيضا مصدر كالحسنى ﴿واليتامى﴾ جمع يتيم وهو الصغير الذي مات أبوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذي ماتت أمه والإحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع ﴿والمساكين﴾ بحسن القول وإيصال الصدقة إليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر أسكنه عن الحراك أي : الحركة وأثقله عن التقلب قلنا ﴿وقولوا للناس﴾ قولا ﴿حسنا﴾ سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه أمر بالإحسان بالمال في حق أقوام مخصوصين وهم الوالدان والأقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل أمر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذي لا يعجز عنه العاقل يعني وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر أي : وقولوا للناس صدقا وحقا في شأن محمد عليه السلام فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا أمره ﴿وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكواة﴾ كما فرضا عليهم في شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما في العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه أخذنا عهدكم يا بني إسرائيل بجميع المذكور فقبلتم وأقبلتم عليه ﴿ثم توليتم﴾ على طريقة الالتفات أي : أعرضتم عن المضي على مقتضى الميثاق ورفضتموه ﴿إلا قليلا منكم﴾ وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها ومن الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه ﴿وأنتم معرضون﴾ جملة تذييلية ، أي : وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولي والإعراض فالجملة اعتراضا للتأكيد في التوبيخ وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة والإقبال إلى جانب العرب.
جزء : 1 رقم الصفحة : 170
واعلم أن في الآية عدة أشياء :
منها : العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لاحظ خلقا أو استحلى ثناء أو استجلب بطاعته إلى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة أو داخله بوجه من الوجوه مزج أو شوب فهو ساقط عن مرتبة الإخلاص برؤية نفسه :
حجاب راه تويى حافظ از ميان برخيز
خوشا كسى كه ازين راه بي حجاب رود
ومنها : الإحسان إلى الوالدين وقد عظم الله حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما في آيات من القرآن لأن النشأة الأولى من عند الله والنشأة الثانية وهي التربية من جهة الوالدين ويقال : ثلاث
172
آيات أنزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل إحداها بغير قرينتها إحداها قوله تعالى : ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (النساء : 59) والثانية : ﴿أن اشكر لى ولوالديك﴾ (لقمان : 14) والثالثة : ﴿وإذ أخذنا ميثاق بنى﴾ (البقرة : 43) والإحسان إلى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال إلى أمرهما وصلة أهل ودهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما ، قال السعدي :
سالها برتو بكذرد كه كذر
نكني سوى تربت درت
تو بجاي دره كردي خير
تاهمان شم داري ازسرت
وفي "التأويلات النجمية" : إن في قوله : ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ إشارة إلى أن أعز الخلق على الولد والداه لأجل أنهما سببا وجوده في الظاهر ولكن ينبغي أن يحسن إليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه إذ هو موجد وجوده ووجود والديه في الحقيقة ولا يختار على أداء عبوديته إحسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما ، ومنها البر إلى اليتامى :
برحمت بكن آبش از ديده اك
بشفق بيفشانش ازهره خاك