﴿والذين ءامنوا﴾ أي : صدقوا بالله تعالى ومحمد عليه السلام بقلوبهم ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي : أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي ﴿أوالائك أصحاب الجنةا هم فيها خالدون﴾ لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا جرت السنة الإلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى والتبشير مرة والإنذار أخرى فإن باللطف والقهر يترقى الإنسان إلى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال حكي أنه كان لشيخ مريد فقال له يوما : لو رأيت أبا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال : كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخه إلى أبي يزيد البسطامي فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا في طريقه فإذا هو حمل الحطب على أسد عظيم وبيده حية يضرب الأسد بها في بعض الأوقات فلما رآه المريد مات وقال أبو يزيد لشيخه : قد ربيت مريدك باللطف ولم ترشده إلى طريق القهر فلم يتحمل لما رآني فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر أيضا.
قال حضرة الشيخ الشهير : بافتده أفندي إن أبا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلي الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل ، قال في "المثنوي" :
170
عاشقم بر قهر وبر لطفش بجد
بو العجب من عاش اين هردوضد
والله ارزين خاردر بستان شوم
همو بلبل زين سبب نالان شوم
أين عجب بلبل كه بكشايد دهان
تاخورد أوخار را با كلستان
أين ه أين نهنك آتشيست
جملة ناخو شهاز عشق أو راخو شيست
جزء : 1 رقم الصفحة : 170
والإشارة في الآيات إلى أن بعض المغرورين بالعقل من الفلاسفة والطبايعية وغيرهم لفرط غفلتهم ظنوا أن قبائح أعمالهم وأفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم فإذا فارقت الأرواح الأجساد يرجع كل شيء إلى أصله فالأجساد ترجع إلى العناصر والأرواح إلى حظائر القدس ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال إلا أياما معدودة وهذا فاسد لأن العاقل يشاهد حسا وعقلا إن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية يورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحقد والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك وهو من صفات النفس الأمارة بالسوء فتصير بالمجاورة والتعود أخلاق الروح فيتكدر صفاؤه ويتبدل أخلاقه الروحانية من الحلم والكرم والمروءة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية الشيطانية والذي يجتهد في قمع الهوى والشهوات يورث هذه المعاملات من مكارم الأخلاق وصفاء القلب وتحننه إلى وطنه الأصلي وغير ذلك فلا يساوي الروح المتبع للنفس الأمارة كما للعوام بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص وبعضهم قالوا وإن تدنست الأرواح بقدر تعلقها بمحبوبات طباعها فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عنها وزوال الكدورات ثم تخلص وهذا أيضا خيال فاسد وكذبهم الله بقوله : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته تظهر على مرآة قلبه بقدرها رينا فإن تاب محي عنه وإن أصر على السيئات حتى إذا أحاط بمرآة قلبه رين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحاطت به الخطيئات ﴿فأوالائك أصحاب النارا هم فيها خالدون﴾ وفيه إشارة أيضا إلى بعض أرباب الطلب ممن يركن إلى شهوات الدنيا في أثناء الطلب فيتظفر عليه الشيطان ويغره بزهده فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك أو يغتر بما ظهر في أثناء السلوك من بعض الوقائع الصادقة والرؤيا الصالحة وشيء من المشاهدات والمكاشفات الروحانية إلا الرحمانية فيظن المغرور أن ليس وراء عبادته قربة وأنه بلغ مبلغ الرجال فيسكت عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فرجع القهقرى إلى أسفل الطبيعة وأما الذين آمنوا من أهل الطلب ﴿وعملوا﴾ على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة الصالحات المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جنات الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد فإن المنازل والمقاصد وإن كانت متناهية لكن السير في المقصد غير متناه بخلاف الذين أحاطت بهم خطيئتهم فإنهم خالدون في نار القطيعة ولن تنفعهم المجاهدات والنظر في المعقولات والاستدلال بالشبهات.
جزء : 1 رقم الصفحة : 170
﴿وإذ أخذنا ميثاق بنى إسراءيل﴾ في التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة وإذا نصب بإضمار فعل خوطب به النبي عليه السلام والمؤمنون ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع عن إيمان أخلافهم
171
لأن قبائح أسلافهم مما تؤدي إلى عدم إيمانهم ولا يلد الحية إلا الحية ومن ههنا قيل :
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه