تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبيَّنَ لنا مِمَّا مضى: أنَّ تقنينَ الأحكام الشرعيَّةِ لإلزام القضاة بالحكم به، والذي يُريدُ به مَنْ دَعَا إليه - مَعَ إحسانِ الظنِّ به - درءَ مَفْسَدَةِ اختلافِ القضاةِ؟ يَستلزمُ مفاسدَ أعظمَ من ذلك:

فهو خُطوةٌ إلى الانتقالِ عن الشريعةِ الإسلاميةِ إلى الأنظِمةِ الوضعيةِ.

قال الشيخ بكر أبو زيد ~: (إنَّ إلزام القاضي بقولٍ مُقنَّن، أو مذهبٍ مُعيَّن مُمتنعٌ شرعاً وواقِعاً، فموقعُه مِنْ أحكامِ التكليفِ حَسَبَ الدلائلِ والوجوهِ الشرعيةِ أنه: مُحَرَّمٌ شرعاً، لا يجوزُ الإلزامُ به، ولا الالتزامُ به) (1).

وقال العلاَّمةُ الشيخ محمدُ الأمين الشنقيطي ~: (إنَّ هذا التدوين الذي يُريدون به درء مفسدة اختلاف القضاة يستلزمُ مفسدة أعظم من ذلك، لأنه خطوة إيجابية إلى الانتقال عن النظام الشرعي إلى النظام الوضعي.

وإيضاح ذلك: أنَّ النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين: أحدهما: صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب موادِّه، والحرص على تقريب معانيها، وضبطها بالأرقام.

والثانية: حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الرُّوح للبدن، وتلكَ الرُّوح هي حكم الطاغوت، فصار التدوين مشتملاً على أحدهما والواحد نصف الاثنين.

ومما يُظنُّ ظناً قوياً ويُخشى خشية شديدة أنَّ وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين، وضع حجر أساس لنفخ روح هذا الهيكل الأصلية فيه. ولا شكَّ أنَّ الظروف الراهنة، ومخايل الظروف الْمُستَقبلَة، تُؤكِّدُ أنَّ تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحطِّ والازدراء، يَغلبُ على الظنِّ،

(1) فقه النوازل 1/ 98.

حكم تقنين الشريعة الإسلامية · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم تقنين الشريعة الإسلاميةص ٥٤