فيها بالحججِ العلميَّةِ، فَمَنْ تَبيَّنَ لَهُ صحَّةُ أحدِ القولَيْنِ تَبعَهُ، وَمَنْ قَلَّدَ أهلَ القولِ الآخرِ فَلا إنكارَ عليهِ» ونظَائرُ هذهِ المسائلِ كثيرةٌ) (1).
2 - إنَّ ما تنازع فيه العلماءُ ليسَ لأهل التقنين أن يفصلوا النزاع فيه بحكم، وإذا لم يكن لهم أن يقولوا: حَكَمْنا وألزمنا القضاة بأن يحكموا بالأحكام الْمُقنَّنة لأنه هو الصحيح، وأن الأقوال الأخرى مردودة، بل قوانين المقنِّنين واجتهاداتهم فيما تنازع فيه العلماء أو أجمعوا عليه: كقول آحاد العلماء إن كان المقنِّنون علماء, وإن كانوا مُقلِّدين كانوا بمنزلة العامة المقلِّدين، قال الإمام ابن تيمية ~: (والْمَنْصبُ والوِلايةُ لا يَجعلُ مَن ليسَ عالِماً مُجتَهِداً: عالِماً مُجتَهِداً، ولو كانَ الكَلامُ في العلمِ والدِّينِ بالوِلايةِ والمنصبِ لكانَ الخليفَةُ والسُّلطانُ أحَقَّ بالكلامِ في العلمِ والدِّينِ، وبأنْ يَستفتيَهُ النَّاسُ، ويَرجعُوا إليهِ فيما أشكَلَ عليهمْ في العلمِ والدِّينِ، فإذا كانَ الخليفةُ والسلطانُ لا يَدَّعي ذلكَ لنفسهِ، ولا يُلْزِمُ الرَّعيَّةَ حُكمَهُ في ذلكَ بقولٍ دُونَ قولٍ إلاَّ بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسُولهِ: فَمَن هُوَ دُونَ السلطانِ في الوِلايةِ أولى بأنْ لا يَتَعَدَّى طَوْرَهُ، ولا يُقيمَ نفسَهُ في مَنصبٍ لا يَستَحِقُّ القيَامَ فيهِ أبو بكرٍ وعُمَرُ وعُثمَانُ وعليٌّ - وهم الخُلَفَاءُ الرَّاشدُونَ - فضلاً عَمَّنْ هُوَ دُونهُم؛ فإنهم} إنما كانُوا يُلْزِمُونَ النَّاسَ باتباعِ كتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نبيِّهم، وكان عُمَرُ - رضي الله عنه - يقُولُ: «إنما بَعَثت عُمَّالي - أي: نُوَّابي - إليكُم ليُعَلِّمُوكُم كتابَ ربِّكُم, وسُنَّةَ نبيِّكُم، ويَقسمُوا بينكُم فَيأكُم»؛ بل هذهِ يَتكَلَّمُ فيها من عُلَمَاءِ المسلمينَ مَن يَعلَمُ ما دلَّتْ عليهِ الأدلَّةُ الشَّرْعيَّةُ: الكتابُ والسُّنةُ. فكُلُّ مَن كانَ أعلَمَ بالكتابِ والسُّنةِ فهُوَ أولى بالكَلامِ فيهَا من غيرِهِ وإنْ لم يَكُن حاكماً، والحاكمُ ليسَ لهُ فيها
(1) مجموع الفتاوى 30/ 79 - 80.