والصلاةُ والسلامُ على عبدِ الله ورسولِه القائلِ: (إنَّ الله لا يَقبضُ العِلمَ انتزاعاً يَنتزِعُه مِنَ العبادِ، ولكنْ يَقبضُ العِلمَ بقبضِ العلماءِ، حتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمَاً اتَّخَذَ الناسُ رُؤساءَ جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فأفتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا) (1).
والْمَرْوِيِّ عنه قولُه: (يَرثُ هذا العِلمَ مِنْ كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفُونَ عنه تأويلَ الْجاهلينَ، وانتحالَ الْمُبطلينَ، وتحريفَ الغالين) (2).
أمَّا بعد: فقد ظهرت الدَّعوةُ في الصحفِ إلى صياغة الأحكام الشرعية على هيئة مواد، وهو ما يُسمَّى بتقنينِ الأحكام الشرعيةِ، ومن بابِ بيانِ الحقِّ (3)، وبراءةِ الذِّمةِ، والتعاونِ على البرِّ والتقوى، رأيتُ أن أكتبَ عن حُكمِ ذلك، وجعلتها في تمهيد وفُصولِ أربعة، وخاتمة، وهي على النحو الآتي:
التمهيد وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الْمُرادُ بالتَّقنينِ.
(1) أخرجه البخاري ت 256 ~ واللفظ له ح 100 ص 23 (بابٌ كيف يُقبض العلمُ) أشرف على طبعه صالح آل الشيخ. دار السلام ط 2 عام 1421، ومسلم ت 261 ~ ح 6796 ص 1164 (بابُ رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان) أشرف على طبعه صالح آل الشيخ. دار السلام ط 2 عام 1421.
(2) أخرجه البيهقي ت 458 ~ في الكبرى 10/ 209 ح 20700 (بابُ الرجل من أهل الفقه يُسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كُفُّوا عن حديثه لأنه يغلط أو يُحدِّث بما لَمْ يَسمع أو أنه لا يُبصر الفتيا) طبعة مصورة. الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، وصحَّحه الإمام أحمد ت 241 ~ كما في فتح المغيث شرح ألفية الحديث 1/ 276 للسخاوي ت 902. تحقيق: عبد الرحمن عثمان. المكتبة السلفية ط 2 عام 1388.
(3) قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ت 795 ~: (فردُّ المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئكَ العلماءُ، بل مما يُحبُّونه ويمدحون فاعله، ويُثنون عليه، فلا يكون داخلاً في باب الغيبة بالكلية، فلو فُرضَ أنَّ أحداً يكره إظهارَ خطئه المخالفِ للحقِّ، فلا عبرةَ بكراهته لذلك، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مُخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يُحبَّ ظهورَ الحقِّ ومعرفةَ المسلمين له، سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله، ولكتابه، ورسوله، ودينه، وأئمة المسلمين، وعامتهم، وذلكَ هو الدِّينُ كما أخبر به النبيُّ) الفرق بين النصيحة والتعيير ص 10 - 11 لابن رجب. تحقيق: علي عبد الحميد. دار عمَّار ط 2 عام 1409.