يصلى على القبر - إذا صلى عليه - بعد الدفن. وهم يقولون بأنه صلى على شهداء أحد قبل الدفن، ولأن الحنفية لا يقبلون خبر الواحد فيما تعم به البلوى، فلم يقبلون هذا الخبر?
قال محمد بن الحسن: (الشهيد إذا قتل في المعركة لم يغسل ويصلى عليه في قول أهل العراق وأهل الشام، به نأخذ، وفي قول أهل المدينة؛ لا يصلى عليه، وممن قال ذلك مالك بن أنس).
ويرد محمد بن الحسن على حديث جابر الذي في البخاري والذي استدل به الجمهور فقال: (وكان جابر رضي الله عنه يومئذ قتل أبوه وخاله فكان مشغولا بهما لم يشهد صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على الشهداء على ما روي أنه حملهما إلى المدينة فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادفنوا القتلى في مضاجعهم) (1) - مصارعهم -.
ويرد الجمهور: إذا كان جابر مشغولا بأبيه وخاله فكيف لا يعلم حال الصلاة عليهما أو تركهما? وإذا رد الحنفية على حديث جابر الصحيح فكيف يردون على حديث أنس رضي الله عنه؟
وقال الحنفية: إن حديث جابر لا يحتج به لأنه نفي، وأحاديثنا في الصلاة على شهداء أحد إثبات، والقاعدة؛ "إذا تعارض النفي مع الإثبات فالإثبات مقدم".
ورد الجمهور على الحنفية بأن شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علمه وكان محصورا فيقبل بالإتفاق، وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علما.
وأما رواية الإثبات فضعيفة، فوجودها كالعدم، إلا حديث عقبة، وقد أجبنا عنه (2).
ومما يرد على الحنفية؛ أن أحاديث الصلاة على الشهيد موافقة للبراءة الأصلية، وأما أحاديث عدم الصلاة على الشهيد فهي ناقلة عن البراءة الأصلية. والقاعدة الأصولية: "إذا تعارض الحديث الموافق للبراءة الأصلية مع الحديث الناقل عن البراءة الأصلية يقدم الناقل ويرجح". هذا إذا كانت الأحاديث في نفس الدرجة من الصحة، فكيف إذا كانت أحاديث الصلاة على الشهيد كلها ضعيفة، كما قال الشوكاني [في نيل الأوطار: 4/ 24]: (وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت).
(1) شرح السير الكبير 1/ 221
(2) المجموع 1/ 260