تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الاستعانة بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة

ثم يقول الرسول ﷺ: ﴿واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة﴾ الغدوة: هي أول النهار بعد صلاة الفجر إلى الضحى، وهي معروفة عند العرب، وفي الحديث قوله ﷺ: ﴿إذا غدا المسلم إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له نزلًا في الجنة كلما غدا أو راح﴾ ويقول سبحانه وتعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥].

في كتابه بالغدو: أول النهار، والآصال: هي ما بعد صلاة الظهر إلى الغروب، يقول النابغة الذبياني:

زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك خبرنا الغراب الأسود

أي: في غدو النهار، فيقول ﷺ: ﴿استعينوا بالغدوة﴾ أي: ما بعد صلاة الفجر، وأغلى وقت في حياة المسلم هو ما بعد صلاة الفجر، إذا أراد مهمة أو عبادة أو ذكرًا فعليه بذاك الوقت، وإذا أراد أن يطلع في كتاب أو يفهم فعليه بما بعد صلاة الفجر، وإذا أراد عملًا ما، أو سفرًا، أو تجارة فعليه بما بعد صلاة الفجر، ولذلك روى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي صخر الغامدي أن الرسول ﷺ قال: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ ومن أراد كذلك أن يخصص وقتًا لقراءة القرآن وتدبره فبعد صلاة الفجر، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧ - ١٨] قالوا: تنفس وكأنه كان في الليل مكبوتًا حزينًا، فتنفس مع الإصباح، وتنفست معه الطيور، ووزعت الأرزاق في الصباح، والمواهب والأعطيات، ونزل خير الله سبحانه وتعالى ورحمته، فيقول ﷺ استغلوا هذه الساعة، أي: بعد صلاة الفجر وهذه بالغدوة والروحة، قال أهل العلم: الروحة بعد صلاة العصر، ومن لم يستطع بعد صلاة العصر فقبل الغروب قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨] فبعد صلاة الفجر وقبل صلاة المغرب هما أفضل وقت، وأصفى وقت للمسلم ليحاسب نفسه، ويراجع معاملته مع الله سبحانه وتعالى من ذكر وعبادة.

ثم يقول النبي ﷺ: ﴿وشيء من الدلجة﴾ أي: من الليل، خذوا قليلًا بعد صلاة الفجر، وقليلًا بعد صلاة المغرب، وخذوا قليلًا من الدلجة، وكأنه يقول في السحر؛ لأنها أعظم ساعة تتصل فيها بالحي القيوم تبارك وتعالى، ولم يقل ﷺ: واستعينوا بالدلجة؛ لأنه نهى عن قيام كل الليل، إنما يقام شيء من الليل قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] وحملها بعض أهل التفسير على أنهم يصلون قليلًا من الليل، فليكن للمسلم ساعة من أي جزء من أجزاء الليل، وإن لم يستطع ذلك فليوتر قبل أن ينام، ثم ليذكر الله سبحانه وتعالى؛ لتسبح روحه في الملأ الأعلى، وليكون من الذاكرين الله وهو نائم على فراشه، وهذا هو نوم العباد الصالحين المتصلين بالحي القيوم، هذه هي قضايا هذا الحديث، يريد ﷺ أن يقرب إلى الأفهام أن هذا الدين ليس بالمغالبة، وإنما هو باليسر وبالسهولة، وبأخذه بالتي هي أحسن؛ لأن الله تعالى يسره للناس.

دروس الشيخ عائض القرني · الجزء ٢٦١ · الصفحة ٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دروس الشيخ عائض القرنيج ٢٦١ · ص ٩