تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الدية بكسر الدال - ومنه الفعل: ودى يدي - نقول وداه أي أعطى ديته 129 - فهي ما يعطي لولي القتيل عوضا عن دمه - وقوله: (مسلّمة) أي مؤداه ومدفوعة - وإيجابها في الآية ينطوي على إجمال غير مبيّن وتبيين ذلك تفصيلا إنما يؤخذ من السنّة النبوية - وبذلك فلا مندوحة عن السنّة وأقوال الفقهاء من المجتهدين من أجل الوقوف على نوعية ما يعطي للوليّ ليكون دية ثم إيجابها على العاقلة بدلا من القاتل نفسه - وهي تجب على العاقلة لا على سبيل العقاب لهم وإنما على سبيل المؤازرة والمواساة فقط.

وتفصيل ذلك أن الدية مقدّرة بمائة من الإبل كما ثبت في أخبار الرسول (ص) فقد روي في الموطأ أن رسول الله (ص) كتب كتابا لعمرو بن حزم في العقول (الديات) فكتب " أن في النفس مائة من الإبل " - وإذا لم يكن هناك إبل قدّرت الدية بالذهب وهي ألف دينار، أو بالفضة إذا لم يتيسر الذهب وهي من الفضة اثنا عشر ألف درهم - وتلك خلاصة ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة استنادا إلى السنة الصحيحة والاستنباط السليم - وهو تقدير للدية في ضوء ما ثبت في الخبر الصحيح، فقد أخرج النسائي عن عمرو بن حزم أن رسول الله (ص) كتب إلى أهل اليمن " وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار ".

وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس " أن رجلا من بني عدي قُتل فجعل النبي (ص) ديته اثني عشر ألفا " يعني من الدراهم - أما التقدير بالنقد في العصر الحديث فهو شأن يناط بأهل الخبرة من ذوي الاختصاص حتى يمكن الكشف عن كمية الدية على نحو محدد ومضبوط.

والدية في القتل الخطأ تجب على العاقلة وذلك ما قضى به الرسول (ص) وهو إجماع العلماء - والعاقلة معناها عصبته أي أقرباؤه من طريق الذكورة - وهي في اللغة من العقل بمعنى المنع والحبس - فالعاقلة هم الأقربون الذين يمنعون قريبهم من الاعتداء عليه أو التمكن منه - والعقل على لسان الفقهاء معناه الدية - وسميت الدية عقلا؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك 130.

والمقدار من الدية الذي تلتزم بأدائه العاقلة ما جاوز الثلث، فالثلث يؤديه القاتل نفسه والثلثان الآخران يقوم بدفعهما الأقربون وهم ما يعرفون بالعاقلة - وذلك قول المالكية والحنابلة وآخرين - فالعاقلة تحمل من الدية ما يبلغ الثلث أو أكثر - وما كان دون ذلك فيتحمله الجاني في ماله.

واستدلوا لذلك بما روي عن ابن عباس مرفوعا أن النبي (ص) قال: " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الثلث ".

أما الحنفية فقالوا: إنما تحمل العاقلة ما كان نصف عشر الدية فأكثر - واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعا أنه " لا تعقل العواقل عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة " وقالوا: أرش الموضحة ما بلغ نصف عشر بدل النفس - أما ما نقص عن نصف عشر الدية فهو في مال الجاني.

أما الشافعية فقالوا: تجب الدية على العاقلة مهما كان قدرها، سواء كانت قليلة أم كثيرة - وحجتهم في ذلك أن النبي (ص) " قضى على العاقلة بالدية " وإطلاق ذلك يوجب الدية كلها على العاقلة 131.

ولا تقدم الدية للولي دفعة واحدة فإن في ذلك مشقة وإرهاقا وإنما تقدم على دفعات من خلال ثلاث سنوات يقوم بأدائها من يعقل عن الجاني.

وإذا كان القتيل جنينا فثمّة تفصيل - فإن مات في بطن أمه وذلك أن تضرب أمه على بطنها فتلقيه حيا ثم يموت ففيه الدية كاملة كما لو كان كبيرا.

التفسير الشامل للقران الكريم · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التفسير الشامل للقران الكريمص ٥٢١