الثالث: وَرَعُ الصَّحَابَةِ رَضي الله عَنْهَم، وامْتِثَالُهم لأَوَامِرِ الله تَبَارَكَ وتَعَالى، وخَوفُهُمْ مِنْ مُخالَفَتِها، ومُرَاقَبَتُهمْ لله عَزَّ وَجَلَّ في السِّرِّ والعَلَن، وقَدْ جَاءَ في بَعْض رِوايَاتِ الحَديثِ: «فَأَبْطَأتْ عَلَيه – أيْ: زَوْجَتُهُ – فَنَامَ، فَأَيْقَظَتْهُ فَكَرِهَ أَنْ يَعْصيَ الله وَرسُولَهُ وَأَبَى أَنْ يَاكُلَ، وأَصْبَحَ صَائماً» (1) وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «فَوَضَعَ رَاسَهُ فَأَغْفَى، وجَاءَتْهُ امْرأَتُهُ بِطَعَامِهِ، فَقالَتْ لَه: كُلْ، فَقالَ: إِنّي قَدْ نِمْتُ، قَالتْ: إِنَّكَ لَم تَنَم، فَأَصْبَحَ جَائِعاً مَجهُوداً» (2).
الرابع: مَشروعِيَّةُ الفَرَحِ بِرُخْصَةِ الله عَزَّ وجَلَّ، وأَنَّ ذلِكَ لا يُنَافي الأَخْذَ بِعَزائِمِه؛ فَالكُلُّ منْ عِنْدِ الله تَعَالى وَهُوَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى رُخَصُهُ كما يُحبُّ أن تُؤتَى عَزَائِمُه.
الخامس: رَحْمةُ الله تَبَارَكَ وتَعَالى بِعبَادِهِ؛ إِذْ يَشرَعُ لَهمْ مَا يَنفَعُهُم مِنْ العَبَادَاتِ التي فيها صَلاحُ قُلوبِهِم، وزَكَاءُ نُفُوسِهِم.
السادس: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يأَخُذُهُم بالتَّدرجِ فيما لم يَعتَادُوا عَلَيه؛ كَما جَاءَ فَرضُ الصَّلاةِ عَلى أَحْوَالٍ ثَلاثَةٍ وكَذلِكَ الصَّومُ، وَكَذَلِكَ النَّهيُ عَنِ الخَمرِ وَقَدْ اعْتَادُوهَا جَاءَ تَحرِيمُهَا بالتَّدَرُّجِ رَحْمَةً مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ وتَخفِيفاً عَلى عِبَادِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ كَثيراً.
(1) هذه الرواية للطبري في تفسيره من حديث السري (2/ 167).
(2) هذه الرواية للطبري في تفسيره من حديث محمد بن يحيى بن حبان (2/ 168).