وَشدِيدِ عَذَابِهِ ، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّونَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَوْمِ القِيَامَةِ أمَدٌ بَعِيدٌ ، وَأنْ يَعِيشُوا دَهْراً طَوِيلاً لِكَيْلا يَصِلُوا إلى العَذَابِ الذِي يَنْتَظِرُهُمْ في الآخِرَةِ .
ويَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً : وَلَوْ عَاشَ أحَدُهُمْ ألْفَ سَنَةٍ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْجِيهِ مِنَ العَذَابِ ، مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى كُفْرِهِ ، وَمُصِراً عَلَى الإِتْيَانِ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ ، وَاللهُ مُبْصِرٌ وَمُشَاهِدٌ مَا يَعْمَلُونَ .
( رُويَ في سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيةِ : أنَّ اليُهُودَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ، وَقَالُوا : إنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ يَهُودِيّاً . فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى المُبَاهَلَةِ ، وَالدُّعَاءِ بِالمَوْتِ وَاللَّعْنَةِ على أكْذَبِ الطَّائِفَتَينِ مِنْهُمْ وَمِنَ المُسْلِمينَ . فَنَكَلَ اليَهُودُ عَنْ ذَلِكَ وَظَهَرَ كَذِبُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ ) .
وَرَوَى ابنُ عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لليَهُودِ " إَنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي مَقَالَتِكُم فَقُولُوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلاَ غُصَّ بِرِيقِهِ وَمَاتَ مَكَانَهُ " وَهَذَا تَحَدٍّ آخَرَ لِليَهُودِ قَائِمٌ فَوْقَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ .
---------------
لن يتمنوه . لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب ، ولا يؤمنهم من عقاب . إنه مدخر لهم هناك ، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون .
وليس هذا فحسب . ولكنها خصلة أخرى في يهود ، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة : ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ﴾ .
. أية حياة ، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! إنها يهود ، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء . وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة . فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس ، وعنت الجباه جبناً وحرصاً على الحياة . . أي حياة!
﴿ ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ، والله بصير بما يعملون ﴾ . .يود أحدهم لو يعمر ألف سنة . ذلك أنهم لا يرجون لقاء الله ، ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة . وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها ، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة . . إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة . نعمة يفيضها الإيمان على القلب . نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني . المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود ، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة . فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق ، وجزائه الأوفى - هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية ، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض؛ إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق ، الذي لا يعلم إلا الله مداه ، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعداً إلى جوار الله .