وروى ابن جرير بإسناده - عن أبي راشد الحراني قال : « وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - جالساً على تابوت من توابيت الصيارفة ، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو؛ فقلت له قد أعذر الله إليك . فقال : أتت علينا سورة البعوث .﴿ انفروا خفافاً وثقالاً ﴾ .وروى كذلك بإسناده - عن حيان بن زيد الشرعبي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو ، وكان والياً على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيراً هما ، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ، فأقبلت إليه فقلت : يا عم لقد أعذر الله إليك . قال : فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا الله ، خفافاً وثقالاً . ألا إنه من يحبه الله يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا الله عز وجل .وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات الله انطلق الإسلام في الأرض ، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، وتمت تلك الخارقة في تلك الفتوح التحريرية الفريدة .
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست منسوخة ، فقد قال الإِمام القرطبى - ما ملخصه - واختلف فى هذه الآية ، فقيل إنها منسوخة بقوله - تعالى - ﴿ لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى ﴾
والصحيح أنها ليست بمنسوخة .
روى ابن عباس عن أبى طلحة فى قوله - تعالى - ﴿ انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾ قال : شباناً وكهولا . ما سمع الله عذر أحد . فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات .
ثم قال - بعد أن ساق نماذج متعددة لمن خرجوا للجهاد خفافاً وثقالا - فلهذا وما كان مثله مما روى عن الصحابة والتابعين قلنا . إن النسخ لا يصح .
فقد تكون هناك حالة يجب فيها نفير الكل ، وذلك إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار الإِسلامية ، أو بحلوله فى العقر . ففى هذه الحالة يجب على جميع أهل الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً؛ شباباً وشيوخاً ، كل على قدر طافته . ولا يتخلف أنحد يقدر على الخروج .
فإن عجز أهل تلك البلدة عن صد عدوهم؛ كان على من قاربهم أن يخرجوا معهم لصد العدو ، وكذلك الشأن بالنسبة لكل من علم بضعفهم عن عدوهم فالمسلمون كلهم يد على من سواهم .
حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التى نزل العدو عليها ، سقط الفرض على الآخرين .
ثم قال - رحمه الله - ومن الجهاد أيضاً ما هو نافلة ، وهو إخراج الإِمام طائفة . . لإِظهار القوة ، وإعزاز دين الله .
ثم قال : وقال ابن العربى ، ولقد نزل بنا العدو - قصمه الله . سنة سبع وعشرين وخمسمائة : فجاس ديارنا ، وأسر خيرتنا ، وتوسط بلادنا . . فقلت للوالى والمولى عليه : عدو الله قد حصل فى الشرك والشبكة ، فلتكن عندكم بركة ، ولتظهر منكم إلى نصرة الدين المعينة عليكم حركة ، فليخرج إليه جميع الناس . . فيحاط به فيهلك .