القضية غامضة أو مائعة في نفوس الجماهير من الناس؛ فما يجوز أن تبقى غامضة ولا مائعة في نفوس من يريدون أن يكونوا « المسلمين » وأن يحققوا لأنفسهم هذا الوصف العظيم . .
ــــــــــــــــــــ
32. الإيمانُ ببعض الكتاب والكفرُ ببعضٍ :
قال تعالى عن بني إسرائيل : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ( 86) ﴾ سورة البقرة
يَذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ اليَهُودَ بِأَهَمِّ مَا نَهَأهُمْ عَنْهُ ، وَأّخَذَ المِيثَاقَ عَلَيهِمْ لاجْتِنَابِهِ ، فَيَقُولُ تَعَالَى : إَنَّهُ أَخَذَ المِيثَاقَ فِي التَّورَاةِ عَلَى بَنِي إِسْرِائِيلَ أَنْ لاَ يَسْفِكَ بعضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ ، وَأَنْ لا يُخْرِجَ بَعْضُهُم بَعْضاً مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطََانِهِمْ ، وَإِنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ يُقِرُّونَ بِذلِكَ ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ دِيَانَتهمْ فِي ذلِكَ ، فَالحَجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيهِمْ .
كَانَ فِي المَدِينَةِ ثَلاَثَ قَبَائِلَ مِنَ اليَهودِ : بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ ، وَكَانُوا إِذَا وَقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ انتَصَرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ لِحُلَفَائِهِ ، وَانْضَمَّ إِلَيِهِمْ يُقَاتِلُ خُصُومَهمْ . وَكَثيراً مَا كَانَ اليَهودِيُّ يَقْتُلُ اليَهُودِيُّ فِي الحَرْبِ ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ ، وَيَنْتَهِبُ مَالَهُ وَأَثَاثَ مَنْزِلِهِ ، وَكلُّ ذلِكَ محَرَّمٌ عَلَيهِمْ فِعْلُهُ بِنَصِّ التَّورَاةِ .
وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذا وَضَعَتِ الحِرْبُ أَوْزَارَهَا يَقُومُونَ بِافْتِكَاكِ الأَسْرَى وَمُفَادَاتِهِمْ ، عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ ، فَاسْتَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى أَفْعَالَهُمْ هذِهِ ، فَهُمْ يَقتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً خِلاَفاً للنَّصِّ ، وَلكِنَّهُمْ يَفْتَكُّونَ الأَسْرَى وَيُفَادُونَهُمْ عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ .
وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ مُسْتَنْكِراً تَصَرُفَاتِهِمْ هذِهِ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَعْمَلُونَ بِهِ ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِ وَتُخَالِفُونَهُ؟ وَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الكِتَابِ ، وَيَكْفُرُ بِبَعْضِهِ الآخَرِ بِالخِزْيِ وَالمَذَلَّةِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا ، وَبِالعَذابِ الأَلِيمِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيَامَةِ . ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ اللهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.
وَهؤُلاءِ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ التَّورَاةِ ، وَيَعْمِلُونَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ فِيهَا ، هُمُ الذِينَ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنيا ، وَآثَروها وَفَضَّلُوهَا عَلَى الآخِرَةِ ، بِمَا أَهْمَلُوا مِنَ الشَّرَائِعِ ، وَبِمَا تَرَكُوا مِنْ أَوَامِرِهَا التِي يَعْرِفُونَها ( كَالانتِصَارِ لِلحَلِيفِ المُشْرِكِ وَمُظَاهَرَتِهِ عَلَى قَوْمِهِمْ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ ، وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنْ دِيَارِهِم