تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول تعالى : ﴿ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ( آل عمران : 84 )

و يقول : ﴿ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ﴾ ( الشورى : 15 )

لكن الإيمان بكون هذه الكتب منزلة من عند الله لا يعني إطلاقًا أنها موجودة حتى الآن و أنها نفس الكتب التي بأيدي اليهود و النصارى .. بالضبط كما أن إيماننا بالأنبياء و الرسل عليهم السلام لا يعني أبدًا أنهم موجودون على قيد الحياة حتى الآن .

و قد يسعى أصدقاؤنا النصارى في محاولات يائسة للاستعانة ببعض الآيات القرآنية لبث الوهم بأن كتبهم غير محرفة و أن القرآن ينفي تحريفها كقوله تعالى : ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ ( الكهف : 27 ) و قوله : ﴿ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ ( الأنعام : 34 ) و قوله : ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾ ( يونس : 64 ) و قوله : ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ ( الفتح : 23 ) .

و للرد على هذا الاستدلال الضعيف نقول :

أولا : أن هذه الآيات ليس فيها إشارة سواء صريحة أو خفية إلى الكتب السابقة ، بل إن قوله في آية الكهف : ﴿ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾ يدلك على أن المراد به هو القرآن لا غيره .

ثانيًا : لا يُفهم من عدم تبديل كلمات الله عدم تبديل الحروف المكتوبة في القراطيس ، بل المقصود هو أنه لا تبديل لأوامر الله و أحكامه المبرمة و المسنونة في خلقه ، كالإقرار بأن الله هو الإله وحده ، لا ابن و لا تثليث و لا شريك له ، و كالوعد و الوعيد ، و العيش الرغيد و العذاب الشديد في الآخرة ، و أمثالها .. و هذه أحكام يُعبر عنها بالكلمات ، لا تتبدل و لا تتحول و لا تتغير .

ثالثًا : نحن معاشر المسلمين لا نستدل بهذه الآيات على حفظ القرآن من التبديل و التغيير ، بل استدلالنا على حفظه من قوله تعالى : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ ( فصلت : 42 ) و قوله : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ( الحجر : 9 ) .

قال قتادة وثابت البناني : (( حفظه الله من أن تزيد فيه الشياطين باطلا أو تنقص منه حقا ؛ فتولى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا ، وقال في غيره: ﴿ بما استحفظوا ﴾ ( المائدة: 44 ) ، فوكل حفظه إليهم فبدلوا وغيروا )) تفسير القرطبي ج5 ص369 .

و قال سفيان بن عيينة : (( في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل : ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ ( المائدة: 44 ) ، فجعل حفظه إليهم فضاع ، وقال عز وجل : ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع )) نفس المصدر السابق ج5 ص370 .

و في تفسير الطبري ج14 ص7 : ((حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذّكْرَ وإنّا لَهُ لحَافِظُونَ ، قال في آية أخرى : لا يَأْتِيهِ الباطِلُ ، والباطل : إبليس ، مِنْ بينِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، فأنزله الله ثم حفظه ، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينتقص منه حقّا ، حفظه الله من ذلك .

حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وإنّا لَهُ لحَافِظُونَ ، قال : حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلاً أو ينقص منه حقّا )) اهـ.

و قد صرحت آيات كثيرة في القرآن الكريم بوقوع التحريف في الكتب الموجودة بحوزة أهل الكتاب من اليهود و النصارى كقوله تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ ( البقرة : 79 ) و قوله : ﴿ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ( البقرة : 75 ) و قوله : ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ ( النساء : 46 و أيضًا المائدة : 13 ) و قوله : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ ( المائدة : 15 ) و آيات التحريف كثيرة ، و الذي ذكرناه كاف للاستدلال .

فإن قيل : كيف يُحفظ القرآن دون باقي الكتب و كلها من عند الله ؟

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٧٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٧٤٧