تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا يمتن الله عليهم بما رزقهم به ؛ ولكن أهل الذوق يلتفتون إلى أنه لم يصف الخمر بأنها من الرزق الحسن ؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن ؛ لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده .

وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك ، ثم ينزل الحق سبحانه عظة تقول : البقرة 219

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

وهكذا أوضح الحق سبحانه ميل الخمر والميسر إلى الإثم أكثر من ميلهما إلى النفع ، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي :

النساء 43

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ

ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر ، فلا يحتسي أد الخمر طوال النهار وجزء من الليل ، وفي ذلك تدريب على الابتعاد عن الخمر .

ثم يأتي التحريم الكامل في قوله تعالى :

المائدة 90

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدريجه المناسب لعادات الناس وتم تحريم الخمر بهوادة وعلى مراحل .

وهكذا نفهم النسخ على أنه انتهاء الحكم السابق زمناً وبداية الحكم الجديد ، وهكذا يعني أن الحكم الأول لم يكن مُنْسحباً على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر ؛ ولكن توقف الحكم الأول ـ أزلاً ـ قد انتهى ؛ وبدأ الحكم الجديد .

وهكذا لا يوجد مجال للأختلاف على معنى النسخ ، ذلك أن الحق سبحانه أرجع المحو والإثبات إلى أم الكتاب ؛ ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته ؛ وميعاد مجيء الحكم التالي له .

وما دام كل أمر مرسوم أزلاً ؛ فعلى من يقولون أن البدأ محرم على الله أن ينتبهوا إلى أن هذا المحو والإثبات ليس بداء ؛ لأن الابداء يعني أن تفعل شيئاً ، ثم يبدو لك فساده فتغيره .

والحق سبحانه وتعالى لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو آيات ؛ بل هو قدر كل شيء أزلاً في أم الكتاب ، وجعل لكل حكم ميقاتاً وميلاداً ونهاية .

ويصح أن يتسع معنى قول الحق سبحانه :

الرعد 39

يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

ليشمل نسح رسالة برسالة أخرى ؛ فيكون محا شيئاً وأثبت شيئاً آخر

مثال : أن الله عز وجل أمر سيدنا آدم عليه السلام بتزوج الأخ لأخته وكان هذا الأمر لغرض تكاثر البشرية ؛ ولكن بعد زمن معين محى الله عز وجل هذا الحكم وبدله بحكم آخر ؛ والآن لا يجوز ليهودي أو مسيحي أو مسلم أن يتزوج من أخته .

فكل شيء فيه تغيير إلى الخير يصح فيه المحو والإثبات ، وهو من عند الرقيب العتيد :

ق18

مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

أي أنه القادر على أن يأمر الرقيب والعتيد بأن يُثبتا الواجبات والمحرمات ، وأن يتركا الأمور المباحة ، وهو القادر على أن يمحو ما يشاء من الذنوب ، ويثبت ما يشاء من التوبة .

والله أعلم

تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

من خواطر الإمام / محمد متولي الشعراوي .

الرد شبهه لا تبديل لكمات الله والله يقول اذا بدلنا اية ... ( التناقض)

" جاء فى سورة النساء: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً) (1).

ولكننا نجد فيه التناقض الكثير مثل:

كلام الله لا يتبدل: كلام الله يتبدل

(لا تبديل لكلمات الله ) (2): (وإذا بدلنا آية مكان آية..) (3)

(لا مبدل لكلماته ) (4): (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) (5)

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (6): (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) (7)

هذه طريقتهم فى عرض هذه الشبهة يقابلون بين بعض الآيات على اعتبار تصورهم ، وهو أن كل آية تناقض معنى الآية المقابلة لها ، على غرار ما ترى فى هذا الجدول الذى وضعوه لبيان التناقض فى القرآن حسب زعمهم

الرد على هذه الشبهة:

الصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لا وجود لها إلا فى أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل ، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبداً فى الوجود فى محل واحد ، ولا يرتفعان أبداً عن ذلك المحل ، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر ، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه فى وقت واحد ، ومحال أن يكون حيًّا و ميتاً فى آن واحد ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان فى محل واحد.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٧٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٧٠٠