هذا هو المراد من الآية ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (سورة البقرة : 106) فالنسخ فيها لا علاقة له أبداً بإحلال حكم شرعي محل حكم شرعي آخر، وليس المراد من ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ هي الآية القولية في القرآن، حتى يقال أن القرآن يثبت تبديل كلام الله، أو كما قال مهرج قناة الحياة أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) نسي سوراً كاملة من القرآن ولم يبلغها للمسلمين؟!
هذا اللغو باطل.. ونسأل مهرج قناة الحياة: إذا كان محمد الذي نزل عليه القرآن نسي سوراً كاملة ولم يبلغها للمسلمين فمن أين علم هو بهذه السور التي لم يبلغها فتلقى الوحي ومحيت من ذاكرته وبهذا يتضح من أقصر طريق أن هذه الآية لا صلة لها بالنسخ في الأحكام الشرعية، أما استدلالهم بقوله تعالى : ﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (سورة الكهف : 27) يعني كلمات الله، فيخطئون خطأ شنيعاً في فهمها لأنهم يفهمون منها الكلام الموحى من عند الله سواء كان في الكتب السابقة على القرآن، أو في القرآن نفسه، بينما المراد من كلمات الله في هذه الآية وأمثالها: هي سنن الله في خلقه والقوانين النافذة في الكون والمجتمع، وهذا شيء شرحه يطول، ومن أمثلته.. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: 85) هي سنة مطردة قاهرة لا يمكن لأحد تبديلها أو تعطيلها.
أما الزعم بأن النسخ خاص بالقرآن، وأن جميع ما سبقه من الكتب السماوية ليس فيه نسخ فهذه دعوى من أكذب الدعاوى على الإطلاق. وإذا رجعنا إلى "الكتاب المقدس" بعهديه القديم والجديد، وجدنا أن النسخ فيه أكثر من أن يحصى بدءاً من شريعة آدم، ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم.
ففي شريعة آدم كان الأخ يتزوج من أخته الشقيقة فحدث في شريعة إبراهيم تعديل لهذا الحكم، فقد كانت سارة زوجة إبراهيم أختاً له من أبيه لا من أمه ولذلك قال عنها إبراهيم وليست ابنة أمي.. إنها أختي بالحقيقة بنت أبي، أنظر سفر التكوين الإصحاح العشرين الآية الثامنة عشر.
وإنما قال إبراهيم [وليست ابنة أمي] لأن الزواج بالأخت من الأم كان لا يجوز في شريعة إبراهيم عليه السلام فهذا نسخ وقع بين شريعة آدم عليه السلام وبين شريعة إبراهيم عليه السلام، ثم جاءت شريعة موسى فحرمت الزواج بالأخت تحريماً مطلقاً سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، فقد جاء في سفر الأحبار (اللاويين) بالإصحاح الثامن عشر، الفقرة التاسعة ما يأتي: [لا تكشف عورة أختك من أبيك أو من أمك] وفي الإصحاح العشرين من السفر المذكور الفقرة السابقة نص على أن الزواج من الأخت مساو للزنا في الحرمة، إذ جاء فيها أي رجل تزوج أخته ابنة أبيه أو ابنة أمه ورأى عورتها ورأت عورته فهذا عار شديد فيقتلان أمام شعبهما.
وفي الإصحاح السابع من سفر التثنية الفقرة الثانية والعشرين تكرر هذا التحريم حيث جاء في الموضع المذكور [يكون ملعوناً من ضاجع أخته من أبيه أو من أمه] فقد نسخت شريعة موسى عليه السلام ما كان مباحاً في شريعتي آدم وإبراهيم عليهما السلام وقضت بتجريمه والعقوبة عليه من فضيحة الإثنين معاً بتنفيذ عقوبة القتل أمام الناس.
ويلاحظ أن النسخ الذي تم بين شريعتي آدم وإبراهيم كان جزئياً بتعديل الحكم من الاتساع إلى الضيق. أما النسخ بين شريعتي إبراهيم وموسى كان كلياً بإلغاء الإباحة بكل صورها في الموضوع شاهد وقوع النسخ، وإحلال التحريم المطلق محل الإباحة الجزئية.
وهذا النسخ بصوره الثلاث يثبت يقيناً أن النسخ ليس خاصاً بالقرآن كما يزعم مهرج قناة الحياة، بل هو عام في جميع الشرائع السابقة عليه مع وجود فروق جوهرية سوف نشير إليها إذا سنحت الفرصة.
كذلك كانت جميع الحيوانات حلالاً لحمها للناس في شريعة نوح. جاء ذلك في سفر التكوين الإصحاح التاسع الفقرة الثالثة قول "الله" لنوح عليه السلام: [وكل ما يتحرك على الأرض وهو حي يكون لكم مأكولاً كالبقل الأخضر].
وقد جاء في شريعة موسى عليه السلام تحريم حيوانات أخرى كثيرة منها الخنزير كما هو مذكور في سفر الأحبار(اللاويين) الإصحاح الحادي عشر والإصحاح الرابع عشر من سفر الاستثناء، وبعض مترجمي التوراة إلى العربية زاد كلمة طاهر بعد كلمة حي فصارت العبارة [كل حي طاهر] لإخراج الحيوانات الحية النجسة وهذا نوع من التحريف بالزيادة في الترجمة إلى العربية.
ومن صور النسخ في شريعة موسى عليه السلام تحريم الجمع بين الأختين في الزواج بالرجل الواحد في زمن واحد، وكان هذا الجمع جائزاً في شريعة يعقوب عليه السلام وهو من أنبياء بني إسرائيل قبل موسى، ويعقوب نفسه جمع في التزوج من أختين هما ليا وراحيل، وهذا مذكور في سفر التكوين الإصحاح التاسع والعشرين، فلما كانت شريعة موسى عليه السلام نسخت هذا الحكم، واعتبرت التزوج بالأختين في وقت واحد محرماً، وقد جاء في سفر اللاويين الإصحاح الثامن عشر الفقرة الثامنة عشر ما يأتي: [لا تتزوج أخت امرأتك من حياتها فيحزنها ولا تكشف عورتهما جميعاً فتحزنهما].