تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2-إيجاد المخرج الشرعي المخلص من الأثم في المستجدات المعاصرة ضرورة واقعية.

من الدواعي لتكرار النظر في مسألة التأمين التعاوني الذي أصبح أمراً ملزماً للناس في البلاد هو أيجاد المخرج الشرعي لهم إذ لو أغلق المفتي الباب في مثل هذه المسألة المترددة بين الإباحة والحظر- عند البعض -وشددّ فيها القول سداً للذريعة المتوقعة مع وقوع الاحتياج الظاهر لها لأدى هذا إلى انفضاض الناس من حول الدين وربما يؤدي إلى غرقهم في مسائل أكثر شناعة وحرمة من غير حاجة إلى سؤال أهل العلم أو معرفة رأي الشرع فيها ، ولذلك كان من المهم سد الذرائع المفضية إلى مفاسد راجحة وإن كانت ذريعة في نفسها مباحة ، كما ينبغي فتح الذرائع إذا كانت تفضي إلى طاعات وقربات مصلحتها راحجة (6)

إن البحث عن المخارج الشرعية المخلصة من المآثم منهج شرعي معتبرقد يحتاج إليه المفتي أو الفقيه في بعض المسائل النازلة بالناس وليس ذلك من التحايل المذموم .

وقد فصّل الإمام ابن القيم في هذه المسألة حيث قال :"لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه ، فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه ، فإن حسن قصده في حيلة جائزة لاشبهة فيها ولا مفسدة ؛ لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك ، بل أستحب ، وقد أرشد الله نبيه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربة واحدة ، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً إلى بيع التمر بدراهم ، ثم يشتري بالدراهم تمراً آخر فيخلص من الربا0

فأحسن المخارج ما خلّص من المآثم وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم والله الموفق للصواب "(7) .

3-فقه العقود والمعاملات هو فقه الضرورات (8).

إن من المسلمات فقهاً أن عقود المعاملات ضرورية للحياة الاجتماعية وتختل بدونها الحياة ، ولا تسير أمور المجتمع الإنساني على استقامة واعتدال ؛ ذلك أن علاقة البشر بعضهم ببعض علاقة تكامل واحتياج متبادل ، ولذلك تنوعت صور العقود والمعاملات المالية من بيع وإجارة وسلم واستصناع وكفالة و غيرها ، ولو جرت المعاملات على نمط واحد دون تنوع وتعدد لأدى إلى مشقة بالغة ولما نمت الحياة وتطورت 0

يقول الامام السيوطي رحمة الله : " ومن التخفيف جواز العقود الجائزة ، لأن لزومها يشق ، ويكون سبباً لعدم تعاطيها ومن التخفيف أيضاً : لزوم اللازم وإلا لم يستقر بيع ولا غيره "(9)

فالشرع قد نظر إلى مصلحة العباد واحتياجاتهم الضرورية ، فرفع عنهم المشقة والحرج بإباحته لهم ضروباً من المعاملات ، وأصنافاً من المشاركات ، والمضاربات وبلأخص تلك العقود التي يحتاجها أغلب المجتمع و لا ينفك من التلبس بها الا القليل من الناس ، فجعل الشرع السبب في ذلك التخفيف هو :

( العسر وعموم البلوى ) والمقصود بهذا المصطلح : حين يبلغ الأمر من الصعوبة حداً لا يستطيع أحد في (10)المجتمع لأن يتفاداه ، فينجم عن هذا عفو الشارع ، والسماح به ، وعدم المؤاخذة عليه . وقال الفقهاء في مثل هذا : " إن ما عمت بليته خفت قضيته "(11) ومعظم العقود المالية على مذهب الحنفية وغيرهم هي ضرورة(12) ، وأجيزت على خلاف القياس فبيع الموصوف في الذمة كالسلم جوّز على خلاف القياس ؛ دفعاً لحاجة المفاليس ، والإكتفاء برؤية ظاهر الصبرة ، والأنموذج ومشروعية خيار الشرط دفعاً للندم ، ومنه الرد بالعيب ، والإقالة ، والحوالة، والرهن ، والضمان ،والإبراء ، والقرض والشركة ، والصلح ، والحجر ، والوكالة ، والإجارة ، والمزارعة ، والمساقاة وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقهاء ، بل هناك من القضايا المعاصرة التي أجيزت على خلاف الراجح نظراً للحاجة العامة لها كالشرط الجزائي وبيوع الوفاء وبيع التورق وبيع المرابحة للآمر بالشراء . واعتقد والله أعلم أن عقد التأمين التعاوني الإلزامي لا يبتعد عما سبق ذكره من عقود صححتها الشريعة نتيجة لحاجة الناس إليها وإن خالفت القياس والقاعدة المطردة في عقود المعاملات ، وإن طرأ فيها ما يخل بالعقد فاعتقد أيضاً أن مجال تصحيحه ممكن ومعلوم لأهل العلم 0 هذا مع علمنا أن الأصل في العقود الصحة إلا ما أبطله الشرع أو نهى عنه .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ١٩٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ١٩٩٥