ومن البدهي أن النظر في حكم التأمين هو نظر جزء من كل ، ذلك أن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية يحقق التعاون والتكافل على أساس محكم لم يسبق له نظير، وإن توسع الدول الإسلامية في التأمينات الاجتماعية حتى تشمل جميع فئات الرعية التي تعجز مواردها عن مواجهة الأخطار أمر لا بد منه ، فإن الدولة الإسلامية في حكم الإسلام تلتزم بتأمين فرصة العمل لكل قادر عليه ، وبتأمين العاجز عن العمل بإعطائه ما يكفيه في أكله ، وشربه ، وملبسه ، وسكنه ، حتى مركبه وعلاجه ، كما يرى بعض الفقهاء ، ولها في مورد الزكاة ما يقوم بذلك ، وإن لم تفِ الزكاة بذلك فلها أن تضع من المعالجات المشروعة ما يسد حاجة الفقراء ، و إعانة العجزة(3).
المبحث الأول : في التعريف :
المسألة الأولى : تعريف عقد التأمين بصفة عامة.
يعرف عقد التأمين بصفة عامة باعتبارين:
1.باعتباره عقداً :
" عقد يلتزم المؤمن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال ، أو إيراداً مرتباً ، أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث ، أو تحقق الخطر المبين في العقد ، نظير قسط ، أو أي دفعة مالية يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن.
2.ويعرف باعتبار أثره الاقتصادي والاجتماعي :
نظام تقوم به هيئة منظمة ، على أساس المعاوضة أو التعاون وتديره بصورة فنية قائمة على أسس الإحصاء وقواعده ونظرياته ، تتوزع بمقتضاه الحوادث أو الأخطار وترمم به الأضرار(4).
-المسألة الثانية : تعريف التأمين التعاوني :
اشتراك مجموعة من الناس بمبالغ بغير قصد الربح على جهة التبرع تخصص لتعويض من يصيبهم الضرر منهم ، وإذا عجزت الأقساط عن التعويض دفع الأعضاء أقساطاً إضافية لتغطية العجز ، وإن زادت فللأعضاء حق استرداد الزيادة(5) .
وهو تأمين تعاوني لأن غايته التعاون في دفع الأخطار وليس الربح والكسب المادي.
كما يسمى بالتأمين التبادلي لأن الأعضاء المشتركين مؤمنون ومؤمَّن لهم في آن واحد ، فليس بينهم وسيط ، أو مساهمون يتقاضون أرباحاً على أسهمهم.
ويسمى أيضاً التأمين بالاكتتاب : لأن ما يدفعه العضو هو اشتراك متغير وليس قسطاً ثابتاً (6).
ومن التعريف السابق يتبين أن التأمين التعاوني نوع من التأمين يقوم به أشخاص يتعرضون لنوع من المخاطر ، يكتتبون على سبيل الاشتراك بمبالغ نقدية تخصص لأداء التعويض المستحق لمن يصيبه منهم الضرر ، فإن لم تف الأقساط المجموعة طولب الأعضاء باشتراك إضافي لتغطية العجز ، وإن زادت عما صرف من تعويض كان للأعضاء حق استرداد هذه الزيادة ، وكل واحد من أعضاء هذه الجمعية يعتبر مؤمِّنا ومؤمناً له.
والغرض من ذلك درء الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء بتعاقدهم على توزيعها بينهم .
وهي أشبه بجمعية تعاونية تضامنية لا تهدف إلى الربح(7).
وهو يدخل في كل النشاطات التأمينية في مختلف الأخطار المحتملة من الحريق ، والحوادث ، وفي النقل البري والبحري والجوي ، وفي كل أنواع الأموال ، ما عدا التأمين على الحياة.
وقد تطور التوسع فيه بحيث أصبح يجمع أعداداً غفيرة تتعرض لأخطار متعددة دون أن يعرف بعضهم بعضاً .
ولئن كان التأمين في مبدأ نشأته يقوم على اكتتاب يحصل من المشاركين فقد تطور على أساس قسط ثابت نسبياً يدفع مقدماً وبانتظام.
وبعد إيراد تعريف التأمين التعاوني يحسن إيراد تعريف خاص بالتأمين الإسلامي.
أولاً : تعريف التأمين الإسلامي باعتباره نظاماً :
"تعاون مجموعة من الناس يسمون : ( هيئة مشتركة يتعرضون لخطر أو أخطار معينة من أجل تلافي آثار الأخطار التي يتعرض لها أحدهم أو بعضهم بتعويضه عن الضرر الناتج من وقوع هذه الأخطار ، وذلك بالتزام كل منهم على سبيل التبرع (8) وبغير قصد الربح بدفع مبلغ معين ( يسمى القسط) أو (الاشتراك) تحدده وثيقة التأمين أو عقد الاشتراك ، أو تتولى شركات التأمين الإسلامية إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال باعتبارها مضارِباً ، أو مبلغاً معلوماً باعتبارها وكيلاً ، أو هما معاً بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية"(9).