وبعد هذا النداء(وريثما تتواجد مثل تلك المجموعات ولجان الدراسات) فإن استخدام المنهج التحليلي في قضية دراسة التأمين التعاوني التجاري في مقابل التأمين التجاري التقليدي -والذي يتطلب الجمع بين التخصص الشرعي والاقتصادي- قد يسهم سريعاً في توضيح الرؤية الاقتصادية الفقهية لسد جزء من الفجوة المتَّسعة بين الفريقين المتباعدين، وهذا ما تصبو إليه هذه المقالة التي تستهل هذا العرض بطرح النتيجة والخلاصة البحثية التالية.
إن العلة الجوهرية في رفض التأمين التجاري والتقليدي يعود إلى علة الغرر التي ترجع إلى أن الشركة طرف مستقل، والعملاء طرف آخر كلاهما يريد الاستفادة والمصلحة من الآخر عبر استخدام نظرية الاحتمالات العشوائية وقوانين الإحصائيات الكبيرة، وهذا شرط كافٍ يجعل هذا التأمين التقليدي التجاري ممنوعاً من الناحية الشرعية، ومع ذلك فإن الشركة التأمينية التجارية التقليدية تتعدى ذلك، إذ لا تكتفي بأن تجعل نفسها مع عملائها (50/50)، والتي يطلق عليها (Zero Sum Game) بل تسعى لجعل الميزان بعد ذلك لصالحها على الدوام. فتصبح 60/50 أو 70/50 أو غير ذلك. فتزيد في الأقساط عن متوسط الاحتمالات العشوائية؛ لتحقق فائضاً مستمراً مؤكداً، وهذا ممنوع محظور آخر تقدم عليه الشركة التأمينية التجارية بفعل قوتها الاحتكارية، وذلك لأنها -بحكم قوتها الانفرادية الكبيرة أمام العملاء الكثيرين المتنافسين- تستطيع الزيادة عليهم، وهذا ما يجعلها مرابية أيضاً؛ لأنها تأخذ على الأموال زيادة مقابل الأجل دون أي مشاركة في الإنتاج، وذلك بعد أن دفعت جميع عوائد عناصر الإنتاج قبل حساب الفائض الربوي..
وبعد بيان علة الغرر المانعة من قبول شركات التأمين التجاري التقليدية نوضح الآن أن هذه العلة منتفية وغير موجودة وغير متوجهة في شركات التأمين التعاونية التجارية، ويعود ذلك إلى أن هذه الشركات ليست أطرافاً (مجموعة المساهمين)، تعمل في مواجهة ومقابلة أطراف أخرى (مجموعة المتعاملين)، بل يمثل كل من هذه الشركات التعاونية التجارية شخصية واحدة، المساهمون فيها هم المتعاملون معها، فمن تعمل لحسابهم وعلى ضمانهم هم أنفسهم الذين تسعى لتحقيق المكاسب التجارية لهم مع الغير، وتحمل تكاليف الأخطار والحوادث التي تخصهم في أحد الحقول المتعلقة بهم، فتكون حقيقة الشركة التأمينية التعاونية جهة واحدة ومؤسسة واحدة وشخصية واحدة . فالمساهمون (الذين هم المتعاملون) عبارة عن خلايا في الوجهين من عملة واحدة، فلا يتوجه القول إذاً إلى أن هناك وجوداً أو مجالاً لنظرية الاحتمالات العشوائية للربح والخسارة مادامت الجهة واحدة، فالشركة التأمينية التجارية التعاونية لها حسابات واحدة وميزانية واحدة، وهي وحدة واحدة تمثل عملاءها المساهمين المتحدين، فما تتحمله هذه الوحدة من مكاسب وإيرادات، أو مغارم ونفقات تعود إلى الجميع وعلى الجميع. فالمساهمون هم المتعاملون، وهم جميعاً المستفيدون والغارمون في حالات انخفاض الحوادث، أو تحقيق المكاسب الرأسمالية أو التجارية، وهم جميعاً الخاسرون والغارمون في حالات ارتفاع الحوادث أو الإخفاق في الأصول الرأسمالية والتجارية، فلهم جميعاً الأصول، وعليهم جميعاً الخصوم.
والتساؤل الذي يُطرح هو: ما الذي جعل هذا الفرق الجوهري والعلة الرئيسية والمحور الفاصل بين النوعين من التأمين (التأمين التجاري التقليدي والتأمين التجاري التعاوني) لا يكاد يأبه به أو يلتفت إليه كلا الفريقين(المؤيد المطلق والرافض المطلق)؟! والجواب عن هذا التساؤل يأتي من عدة زوايا:
الزاوية الأولى: عدم الاعتراف بالشخصية القانونية المستقلة للشركات، وعدم اعتبار أن لها ذمة مالية مستقلة.. بل ينظر إليها كثير من المتفقهين وطلبة العلم على أنها (تجمع)، لكنه مع ذلك عبارة عن أشخاص طبعيين مستقلين بعضهم عن بعض، لا تنبثق عنهم شخصية اعتبارية (معنوية) جديدة قائمة بذاتها، بل تنعكس تصرفات الشركة المالية وغير المالية مباشرة على الشخصية والذمة المالية المستقلة، فلا يتولد إذاً من مجموع ذممهم المالية ذمة مالية جديدة مستقلة عن أشخاصهم الطبعيين. لذلك فإن كلاً من الفريقين المتقابلين يفترض تساوي التأمين التعاوني التجاري مع التأمين التجاري التقليدي من حيث القابلية للغرر أو عدمها. فكلا النوعين من الشركات -في نظر الفريقين- عبارة عن مجموعة شركاء يجري بينهم التقابل والمواجهة، إما مع شركائهم أو مع عملائهم، إذ إن كل شريك طرف مستقل في شركته عن شركته، فهو على ذلك إما غانم وإما غارم -في نظر من يرى الغرر فيها- (المانع المطلق)، وإما متاجر منتفع متكسب في نظر من لا يرى الغرر (المؤيد المطلق). لذلك يقوم الفريق (المؤيد المطلق) -لإباحة جميع أنواع التأمين- بسرد جميع أوجه الشبه بين التأمين التجاري والتقليدي، والتامين التجاري التعاوني، ولا يرى فرقاً مؤثراً للقول في اختلاف الحكم بينهما، وفي ذات الوقت يقوم الفريق (الرافض المطلق) لجميع أنواع التأمين التجاري التقليدي والتعاوني بسحب حكم الغررية على كل منها، مادام أنه يرى كل شركة عبارة عن هيئة شركاء يجتمعون لا على أنهم منصهرون في شخصية اعتبارية واحدة، بل على أنهم مجموعة شخصيات مستقلة في ذواتها ومالياتها، (وإن ظهرت في شكل هيئة واحدة) يسعى كل منهم للتبادل المالي والمادي مع الأطراف الآخرين (الشركاء) ، فهو إما غانم أو غارم.