3- في الشركة التعاونية المؤمِّنون هم المؤمَّن لهم، فهم طرف واحد، و بالتالي فهم لا يخططون لتحقيق مكاسب تأمينية من وراء دفعهم للأقساط وتغطيتهم للتكاليف؛ وذلك بالسعي لتكوين فرق بين اشتراكاتهم (مساهماتهم)، وتكاليف تغطية الحوادث الحاصلة لهم، وإلا لكانوا يريدون أن يربحوا من وراء أنفسهم وهذا لا يتوجَّه، بل تخطيطهم أن يكون متوقع التكاليف بسب الحوادث مساوياً للاشتراكات . و لو خططوا لعمل فائض -وسلمنا أنه ربح- فإنهم في الواقع إنما يعملون فائضاً لأنفسهم من أنفسهم، وأما ما يحصل من فائض مخطط أو غير مخطط (أي لم يتم استهدافه)، فإنه لو وزِّع على الشركاء لكان بمثابة إعادة لزيادة غير مقصودة، نعم قد يستفيد أحد الشركاء أكثر بكثير من الآخرين؛ لأنه تمت بواسطة الصندوق تغطية تكاليف باهظة لحادث طرأ عليه، لكن هذه الاستفادة وهذه الزيادة أو الفائض لأحد الشركاء لا يعتبر غرراً ولا رباً؛ لأنه مع بقية الشركاء في عقد إحسان وتعاون لا عقد معاوضة، فلا يتوجه إليه الربا ولا الغرر المحرم . ولو قلنا: إن في ذلك غرراً محرماً لتوجه نفس القول للصندوق التعاوني التطوعي المحض(الذي لا يعود فيه رأس مال إلى صاحبه لأنه متبرع)، إذ إنه يستفيد أحد المشاركين فيه من دفع تكاليفه الباهظة لحادث، ولا يستفيد الآخر مثله إذا لم يقع له حادث . والفرق بين الصندوق أو الشركة التأمينية التعاونية، والصندوق أو الشركة التطوعية هو أن الأول من قبيل القرض(السلف) للإحسان و التعاون، بينما الثاني من قبيل الصدقة والتبرع للإحسان والتعاون. فليس التأمين التعاوني بمعنى البيع أو المتاجرة بين الشركاء، ولهذا لا يدخل في أصله وجذره تحت بيوع الغرر المنهي عنها.
التأمين من عقود المواساة لا من عقود المسابقات:
وأما حديث (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر) فإن الجوائز والمكافآت تبذل من المتسابقين؛ ليفوز بها من هو في مجال سباقهم الذي هو بفعلهم أنفسهم أعلى وأكبر وأكثر، فيتوجه إليها مصطلح الغرر، وتحرم إلا إذ كانت بمعنى الجهاد؛ لأنها بفعل المتسابقين والمتنافسين أنفسهم، وأما الأثمان التي تبذل بواسطة الشركاء في التأمين التعاوني، فلأجل مواجهة ضرر ونقص وجائحة تُفعَل بهم من غيرهم، وليست بفعلهم أنفسهم، ثم إن الغرض منها مواساة وجبر المخفق والمصاب والمتضرر، لا مكافأته على تفوقه وزيادته و علوه و ارتفاعه، ولا شك أن غرض المواساة و تغطية المضاربات في الأزمات تختلف عن غرض المنافسة للوصول إلى الجوائز على المناسبات و المسابقات.
قانون الإحصاءات الكبيرة:
وبخلاف (شركة التأمين التعاونية)فإن شركة التأمين التجارية تخطط لتحقيق مكاسب (أرباح) تأمينية، من وراء تحصيلها للأقساط من المشتركين. فشركة التأمين التجارية التي يكون المشترك فيها(طرف تعاقد) هو المؤمِّن له؛ وتكون الشركة المملوكة لآخرين. (طرف التعاقد الآخر) هو المؤمِّن، وهما طرفان مستقلان بينهما عقد معاوضة لا عقد تعاون وتبرع، وفي هذه الحالة من الشركات التجارية فإنها تخطط للاستفادة من الفائض بين رسوم وأقساط المشاركين، وبين تكاليف تغطية حوادثهم، ويعتمد حجم أرباح أو (خسائر) مثل هذه الشركات التجارية للتأمين على عدة عوامل رئيسة هي :
1- درجة المنافسة في صناعة التأمين، فكلما زادت المنافسة قلَّت الأرباح غير العادية، حتى لا يبقى إلا تكاليف الفرصة البديلة لرأس المال والإدارة.
2- درجة استقرار الحقل الاقتصادي الذي يتناوله موضوع التأمين، فقد يتعرض التأمين في المجال الصحي لتذبذب من ناحية الحوادث وتكاليفها، أكبر من تذبذب الحوادث في المجال المروري .
3- درجة دقة حسابات احتمالات الحوادث في مجال التأمين المتعلق.
4- درجة أمانة الشركة في القيام بمسؤولياتها تجاه المؤمنين، أو تنحيها عنهم .