وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ " ، فَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ أَصْدَقَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَصْدَقَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَنْ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَحَدٌ فِي الصِّدْقِ ، وَإِنْ فَضَلُوهُ فِي غَيْرِهِ . أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، فَسَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ ، تَعَالَى اللَّهُ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ : " مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ " ، لِأَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ عَظِيمِ مَا خَلَقَ يَعْدِلُ بِآيَةٍ وَلَا بِحَرْفٍ مِنْ كَلَامِهِ " أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَظَّمَ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَقَالَ : لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ؟ ثُمَّ آيَةُ الْكُرْسِيِّ مَعَ خِفَّتِهَا وَقِلَّةِ حُرُوفِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَبِكَلَامِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَخُلِقَتِ الْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْمِيَّ الْخَبِيثَ يَقُولُ فِي الظَّاهِرِ : أَنَا أَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ ، فَإِذَا نَصَصْتُهُ قَالَ : إِنَّمَا أَعْنِي كَلَامَ اللَّهِ مِثْلُ مَا أَقُولُ : بَيْتُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَمَسْجِدُ اللَّهِ ، فَمَثَّلُ شَيْئًا لَا يُشْبِهُ مَا مَثَّلَهُ بِهِ ، وَالتَّمْثِيلُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، فَإِنْ زَادَ التَّمْثِيلَ عَمَّا مُثِّلَ بِهِ أَوْ نَقَصَ بَطَلَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْتَ بُنِيَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَفِي الْأَرْضِ ، وَبَنَاهُ مَخْلُوقٌ ، وَهُدِمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَهُوَ مِمَّا يُدْخَلُ فِيهِ وَيُخْرَجُ عَنْهُ ، وَالْمَسْجِدُ مِمَّا يُخَرِّبُ وَيَبِيدُ وَيَعْفُو أَثَرُهُ وَيَزُولُ اسْمُهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ يُمْشَى عَلَيْهَا وَتُحْفَرُ وَيُدْفَنُ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ نُطْفَةٌ ، وَجَنِينٌ ، وَمَوْلُودٌ ، وَرَضِيعٌ ، وَفَطِيمٌ ، وَصَبِيُّ ، وَنَاشِئٌ ، وَشَابٌّ ، وَكَهْلٌ ، وَشَيْخٌ ، وَآكِلٌ ، وَشَارِبٌ ، وَمَاشٍ ، وُمَتَكَلِّمٌ ، وَحَيُّ ، وَمَيِّتٌ ، فَهَلْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْقُرْآنَ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : أَلَسْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قِيلَ لَهُمْ ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ ؟ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : نَعَمْ . فَيُقَالُ لَهُمْ : وَتَزْعُمُونَ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَخْلُوقٌ ، وَقَوْلُهُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ، وَأَنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، فَيُقَالُ لَهُ :
المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٩٨٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في أحاديث الفتنص ٩٨٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي