وَالْعَمَلَ هُوَ الْإِيمَانُ دُونَ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ ، وَالَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالْقَلْبِ هِيَ الْإِيمَانُ دُونَ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ ، وَالَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ دُونَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَمَلِ ، فَإِنَّ لِلْبَيَانِ عَنْ خَطَأِ قَوْلِهِمْ كِتَابًا يُفْرَدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، إِذْ كَانَ كِتَابُنَا هَذَا مَخْصُوصًا بِالْبَيَانِ عَنْ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَذَاهِبِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ دُونَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْجَدَلِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ مِنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْجَدَلِ
الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : يَقُولُونَ : مَا فِينَا كَافِرٌ وَلَا مُنَافِقٌ ، جَذَّ اللَّهُ أَقْدَامَهُمْ . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : جَذَّ اللَّهُ أَقْدَامَهُمْ قَطَعَ اللَّهُ أَقْدَامَهُمْ ، وَأَصْلُ الْجَذِّ الْقَطْعُ ، يُقَالُ مِنْهُ : جَذَذْتُ الْحَبْلَ فَأَنَا أَجُذُّهُ جَذًّا ، وَهُوَ حَبَلٌ مَجْذُوذٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ، وَلَكِنَّهُ دَائِمٌ لِأَهْلِهِ مُتَّصِلٌ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَتِيتِ مِنَ الْخُبْزِ : جَذِيذَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مُكَسَّرٌ مُفَتَّتٌ ، صُرِفَتْ مِنْ مَجْذُوذَةٍ ، وَهِيَ مَفْعُولَةٌ إِلَى فَعِيلَةٍ ، فَقِيلَ : جَذِيذَةٌ ، وَالْجَذُّ ، وَالْجَدُّ ، وَالْجَذْمُ ، وَالْجَزْلُ ، وَالْقَصْلُ وَالْقَصْبُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ : لَوِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ ، مُفْعَمٌ مِنَ الرِّجَالِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مُفْعَمٌ مِنَ الرِّجَالِ ، مَمْلُوءٌ مِنْهُمْ ، يُقَالُ مِنْهُ لِلْعَظِيمِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ الْمُمْتَلِئِ لَحْمًا : فَعْمٌ ، وَلِلسَّاقِ الْمُمْتَلِئِ مِنَ اللَّحْمِ : فَعْمٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ فِي صِفَةِ فَرَسٍ :
فَعِمًا نَبِيلَ الْخَلْقِ يَسْبِقُ عَدْوُهُ نَظَرَ الْبَصِيرِ غَيَايَةً وَبَرَاحَا
وَقَوْلُ الْعَجْاجِ فِي وَصْفِهِ بَحْرًا بِالِامْتِلَاءِ مِنَ الْمَاءِ :
أَرَاحَ بَعْدَ الْغَمِّ وَالتَّغَمْغُمِ
خُشْبٌ نَفَاهَا دَلْظُ بَحْرٍ مُفْعَمِ
يَمُدُّهُ آذِيُّ بَحْرٍ عَيْلَمِ
وَيُقَالُ : أَفْعَمَ فُلَانٌ الْقِرْبَةَ ، إِذَا مَلَأَهَا مَاءً ، وَقِرْبَةٌ مُفْعَمَةٌ ، إِذَا كَانَتْ مَمْلُوءَةً وَأَمَّا قَوْلُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ : لَتَسْلُكُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةَ بِالْقُذَّةِ . فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْقُذَّةِ