فِي تَلَوُّمِهِ فِي الْقِتَالِ وَتَبَرُّمِهِ بِهِ وَمُرَاجَعَةِ الْحَسَنِ ابْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ لَهُ : أَلَمْ أَنْهَك يَا أَبَتِ ؟
وَقَوْلُهُ : لِلَّهِ دَرُّ مَقَامٍ قَامَهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنْ كَانَ بَرًّا إنَّ أَجْرَهُ لَعَظِيمٌ وَإِنْ كَانَ إثْمًا إنَّ خَطَأَهُ لَيَسِيرٌ .
وَهَذَا يُعَارِضُ وُجُوبَ طَاعَتِهِ وَبِهَذَا احْتَجُّوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد فِي تَرْكِ التَّرْبِيعِ بِخِلَافَتِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَظْهَرَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ : إذَا قُلْت كَانَ إمَامًا وَاجِبَ الطَّاعَةِ فَفِي ذَلِكَ طَعْنٌ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ حَيْثُ لَمْ يُطِيعَاهُ بَلْ قَاتَلَاهُ فَقَالَ لَهُمْ : أَحْمَد : إنِّي لَسْت مِنْ حَرْبِهِمْ فِي شَيْءٍ : يَعْنِي أَنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ عَلِيٌّ وَإِخْوَانُهُ لَا أَدْخُلُ بَيْنَهُمْ فِيهِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّأْوِيلِ الَّذِي هُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ الَّتِي تَعْنِينِي حَتَّى أَعْرِفَ حَقِيقَةَ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَأَنَا مَأْمُورٌ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَأَنَّ يَكُونَ قَلْبِي لَهُمْ سَلِيمًا وَمَأْمُورٌ بِمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَلَهُمْ مِنْ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا لَا يُهْدَرُ ؛ وَلَكِنَّ اعْتِقَادَ خِلَافَتِهِ وَإِمَامَتِهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ تَرَكَهُ كَمَا أَنَّ إمَامَةَ " عُثْمَانَ (رضي الله عنه ) " وَخِلَافَتَهُ ثَابِتَةٌ إلَى حِينِ انْقِرَاضِ أَيَّامِهِ وَإِنْ كَانَ فِي تَخَلُّفِ بَعْضِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ أَوْ نُصْرَتِهِ ؛ وَفِي مُخَالَفَةِ بَعْضِهِمْ لَهُ : مِنْ التَّأْوِيلِ مَا فِيهِ إذْ كَانَ أَهْوَنَ مَا جَرَى فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ . وَهَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ اجْتِهَادُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
فَمِنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ :
بِوُجُوبِ الْقِتَالِ مَعَ عَلِيٍّ كَمَا فَعَلَهُ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُ وَكَمَا يَقُولُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الْقِتَالَ مَعَهُ ؛ لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَوُجُوبِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَمَبْدَأُ تَرْتِيبِ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَاتَّبَعَهُمْ آخَرُونَ .
وَمِنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ :
بَلْ الْمَشْرُوعُ تَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا فَعَلَهُ مَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْقَاعِدِينَ عَنْ الْقِتَالِ لِإِخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿ أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ خَيْرٌ ﴾ وَ " { أَنَّ الْفِرَارَ مِنْ الْفِتَنِ بِاِتِّخَاذِ غَنَمٍ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ خَيْرٌ مِنْ