وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ حُكْمَ الْبُغَاةِ ، وَأَطْلَقُوا هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّهُمْ كَالْبُغَاةِ فِي عَدَمِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ لأَِهْل الْعَدْل أَثْنَاءَ الْقِتَال (1) ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ ؛ إِذْ قَالُوا بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ الْخَارِجِ مَعَ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ اسْتِجَابَةً لِطَلَبِهِمْ : لاَ يَضْمَنُ نَفْسًا وَلاَ مَالاً (2) .
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا عَلَى أَهْل الْعَدْل حَال الْقِتَال وَغَيْرِهِ ؛ إِذْ لاَ تَأْوِيل لَهُمْ (3) .
إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لِلْبَاغِي مِنَ الْعَادِل :
صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَمَّنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْل الْعَدْل رَجُلاً مِنْ أَهْل الْبَغْيِ جَازَ أَمَانُهُ ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ أَعْلَى شِقَاقًا مِنَ الْكَافِرِ الَّذِي يَجُوزُ إِعْطَاءُ الأَْمَانِ لَهُ . فَكَذَا هَذَا ، بَل هُوَ أَوْلَى وَأَحَقُّ ؛ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إِلَى مُنَاظَرَتِهِ لِيَتُوبَ ، وَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْمَنْ كُلٌّ الآْخَرَ . وَلَوْ دَخَل بَاغٍ بِأَمَانٍ ، فَقَتَلَهُ عَادِلٌ عَمْدًا ، لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ (4) .
تَصَرُّفَاتُ إِمَامِ الْبُغَاةِ :
إِذَا اسْتَوْلَى الْبُغَاةُ عَلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ ، وَنَصَّبُوا لَهُمْ إِمَامًا ، وَأَحْدَثَ الإِْمَامُ تَصَرُّفَاتٍ بِاعْتِبَارِهِ حَاكِمًا ، كَالْجِبَايَةِ مِنْ جَمْعِ الزَّكَاةِ وَالْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ وَإِقَامَةِ الْقُضَاةِ ، فَهَل تَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا فِي حَقِّ أَهْل الْعَدْل ؟ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي :
أ - جِبَايَةُ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَرَاجِ :
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَا جَبَاهُ أَهْل الْبَغْيِ مِنَ الْبِلاَدِ الَّتِي غَلَبُوا عَلَيْهَا ، مِنَ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْعُشُورِ وَالْخَرَاجِ ، يُعْتَدُّ بِهِ ؛ لأَِنَّ مَا فَعَلُوهُ أَوْ أَخَذُوهُ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، فَوَجَبَ إِمْضَاؤُهُ ، كَالْحَاكِمِ إِذَا حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الاِجْتِهَادُ فِيهِ ، وَلاَ حَرَجَ عَلَى النَّاسِ فِي
(1) - فتح القدير 4 / 415 .
(2) - الشرح الصغير 4 / 430 ، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 300 ، والتاج والإكليل 6 / 279 .
(3) - المهذب 2 / 221 ، ونهاية المحتاج 7 / 188 ، والمغني 8 / 121 ، وكشاف القناع 6 / 166 .
(4) - الفتح 4 / 416 ، ورد المحتار وحاشية ابن عابدين 3 / 312 .