الاِتِّجَاهُ الثَّانِي : نَقَل الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لاَ يَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال حَتَّى يَبْدَءُوهُ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْكَاسَانِيُّ وَالْكَمَال . قَال الْكَاسَانِيُّ : لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ ، لاَ لِشَرِّ شِرْكِهِمْ ؛ لأَِنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهِ الشَّرُّ مِنْهُمْ لاَ يُقَاتِلُهُمُ الإِْمَامُ ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ قِتَال الْمُسْلِمِ إِلاَّ دَفْعًا ، بِخِلاَفِ الْكَافِرِ ؛ لأَِنَّ نَفْسَ الْكُفْرِ قَبِيحٌ (1) . وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَوْل أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَلاَّ يَبْدَءُوا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَال ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُمْ دُونَ الْقَتْل لَمْ يَجُزِ الْقَتْل . وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْل ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ كَالصَّائِل . وَقَال ابْنُ تَيْمِيَةَ : " الأَْفْضَل تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ " أَيِ الْقِتَال (2) .
الْمُعَاوَنَةُ فِي مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ :
مَنْ دَعَاهُ الإِْمَامُ إِلَى مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ افْتُرِضَ عَلَيْهِ إِجَابَتُهُ ؛ لأَِنَّ طَاعَةَ الإِْمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَرْضٌ .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ : يَجِبُ عَلَى كُل مَنْ أَطَاقَ الدَّفْعَ أَنْ يُقَاتِل مَعَ الإِْمَامِ ، إِلاَّ إِنْ كَانَ سَبَبُ الْخُرُوجِ ظُلْمَ الإِْمَامِ بِمَا لاَ شُبْهَةَ فِيهِ ؛ إِذْ يَجِبُ مَعُونَتُهُمْ لإِِنْصَافِهِمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ بَيْتَهُ . وَعَلَيْهِ يُحْمَل مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَعَدُوا فِي الْفِتْنَةِ ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي تَرَدُّدٍ مِنْ حِل الْقِتَال .
وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ : " إِذَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِل الْفِتْنَةَ ، وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ " فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ . أَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ : إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّارِ (3) فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اقْتِتَالِهِمَا حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً ، أَوْ لأَِجْل الدُّنْيَا وَالْمُلْكِ . وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ ظَالِمًا ، وَبَغَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ لِرَفْعِ الظُّلْمِ ، وَطُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ
(1) - البدائع 7 / 140 ، والفتح 4 / 410 .
(2) - حاشية الدسوقي 4 / 299 ، كشاف القناع 6 / 162 ، والمغني 8 / 108 ، والمهذب 2 / 219 ، 222 ، ونهاية المحتاج 7 / 383 .
(3) - أخرجه البخاري ( الفتح 13 / 31 - ط السلفية ) ومسلم ( 4 / 2214 ـ ط الحلبي ) .