تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ اسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ تَرَكُوا مُعْظَمَ الْكِتَابِ وَالَّذِي تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّتُهُ ، وَتَوَاطَأَتْ عَلَى مَعْنَاهُ شَوَاهِدُهُ ، وَأَخَذُوا فِي اتِّبَاعِ بَعْضِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَتَرْكِ أُمِّ الْكِتَابِ .

فَإِذًا هَذَا - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - زَيْغٌ وَمَيْلٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ أَئِمَّةٌ يُفْتُونَ وَيُقْتَدَى بِهِمْ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ سَكَنَتْ إِلَيْهِمُ الدَّهْمَاءُ ظَنًّا أَنَّهُمْ بَالَغُوا لَهُمْ فِي الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ ، وَهُمْ يَضِلُّونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ دَاهِيَةٍ تَقَعُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ، فَإِنَّهُ لَوْ عَلِمَ طَرِيقَهَا لَتَوَقَّاهَا مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِذَا جَاءَتْهُ عَلَى غِرَّةٍ فَهِيَ أَدْهَى وَأَعْظَمُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ بِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا جَاءَتِ الْعَامِّيَّ مِنْ طَرِيقِ الْفُتْيَا ، لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ فِي رُتْبَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَيَضِلُّ مِنْ حَيْثُ يَطْلُبُ الْهِدَايَةَ : اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ

إِنَّ هَاهُنَا نَظَرًا لَفْظِيًّا فِي الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ الْمُفَسِّرَةُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، فَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى السُّؤَالُ عَنْهَا - سُؤَالُ التَّعْيِينِ - فَقَالُوا : مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَأَصْلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : أَنَا وَأَصْحَابِي ، وَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِنَا . أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْطِي تَعْيِينَ الْفِرْقَةِ ، إِمَّا بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا . إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ تَعْيِينُ الْوَصْفِ لَا تَعْيِينُ الْمَوْصُوفِ ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِمَا أَتَى ، فَظَاهَرُهَا الْوُقُوعُ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ مِنَ الْأَوْصَافِ وَغَيْرِهَا ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوْصَافُ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَمْ يُطَابِقِ السُّؤَالُ الْجَوَابَ فِي اللَّفْظِ . وَالْعُذْرُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَلْتَزِمُ ذَلِكَ النَّوْعَ إِذَا فُهِمَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بَيَّنَ لَهُمُ الْوَصْفَ الَّذِي بِهِ صَارَتْ نَاجِيَةً ، فَقَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي .

وَمِمَّا جَاءَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطَابِقٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ؟ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَاهُ : هَلْ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا ؟

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٧١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٧١٣