وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالَى بِسَبَبِهِ وَعَادَى ، وَلَمْ يُبَالِ بِمَا لَقِيَ فِي طَرِيقِهِ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ، فَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ حَصَّلَهَا ، وَنُكْتَةٍ اهْتَدَى إِلَيْهَا فَهِيَ مُدَّخَرَةٌ فِي خِزَانَةِ حِفْظِهِ يَحْكُمُ بِهَا عَلَى مَنْ وَافَقَ وَخَالَفَ ، لَكِنْ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِ نَفْسِهِ عَنِ الْإِظْهَارِ مَخَافَةَ النَّكَالِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْإِضْرَارِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَاهَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِظْهَارِهِ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَبْلَغَ الِاسْتِيلَاءِ ، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا اسْتَخْفَى بِهَا صَاحِبُهَا .
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَنْ أُشْرِبَهَا نَاصِبٌ عَلَيْهَا بِالدَّعْوَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ ، وَهِيَ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْخَوَارِجِ وَسَائِرِ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ .
وَمِثْلُ مَا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْعَوَاصِمِ قَالَ : أَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ : أَنَّهُ وَرَدَ بِهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هُورَانَ الْقُشَيْرِيُّ الصُّوفِيُّ مِنْ نَيْسَابُورَ فَعَقَدَ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ ، وَحَضَرَ فِيهِ كَافَّةُ الْخَلْقِ ، وَقَرَأَ الْقَارِئُ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى قَالَ لِي أَخَصُّهُمْ : مَنْ أَنْتَ - يَعْنِي الْحَنَابِلَةَ - يَقُومُونَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ وَيَقُولُونَ قَاعِدٌ ! قَاعِدٌ ! بِأَرْفَعِ صَوْتٍ وَأَبْعَدِهِ مَدًى ، وَثَارَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الْقُشَيْرِيِّ وَمِنْ أَهْلِ الْحَضْرَةِ ، وَتَثَاوَرَ الْفِئَتَانِ وَغَلَبَتِ الْعَامَّةُ ، فَأَحْجَرُوهُمْ إِلَى مَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ وَحَصَرُوهُمْ فِيهَا وَرَمَوْهُمْ بِالنِّشَابِ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ قَوْمٌ ، وَرَكِبَ زَعِيمُ الْكُفَاةِ وَبَعْضُ الدَّارِيَّةِ فَسَكَنُوا ثَوْرَتَهُمْ .
فَهَذَا أَيْضًا مِمَّنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الْبِدْعَةِ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْقَتْلِ ، فَكُلُّ مَنْ بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ حَقِيقٌ أَنْ يُوصَفَ بِالْوَصْفِ الَّذِي وُصِفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ الْحَرْبَ .
وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَاخَلُوا الْمُلُوكَ فَأَدْلَوْا إِلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ الْوَاهِيَةِ ، وَصَغَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَمَلَةَ السُّنَّةِ وَحُمَاةَ الْمِلَّةِ ، حَتَّى وَقَفُوهُمْ مَوَاقِفَ الْبَلْوَى ، وَأَذَاقُوهُمْ مَرَارَةَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَانْتَهَى بِأَقْوَامٍ إِلَى الْقَتْلِ ، حَسْبَمَا وَقَعَتِ الْمِحْنَةُ بِهِ زَمَانَ بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ فِي حَضْرَةِ الْمَأْمُونِ وَابْنِ أَبِي دُؤَادٍ وَغَيْرِهِمَا .