تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْحَاصِلُ ، أَنَّ تَعْيِينَ هَذِهِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فِي مِثْلِ زَمَانِنَا صَعْبٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَابُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ ، وَهُوَ نُكْتَةُ هَذَا الْكِتَابِ ، فَلْيَقَعْ بِهِ فَضْلُ اعْتِنَاءِ مَا هَيَّأَهُ اللَّهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَلَامًا كَثِيرًا أَرْجَأْنَا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَى بَابٍ آخَرَ ، وَذِكْرَهُ فِيهِ عَلَى حِدَتِهِ، إِذْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ

أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَحَتَّمَ ذَلِكَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الْفِرَقِ إِلَّا الْمُخَالِفَ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ وَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ ، وَلَمْ يَنْتَظِمِ الْحَدِيثُ - عَلَى الْخُصُوصِ - إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَوَاعِدِ ، وَأَمَّا مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعْ مَا يَنْقُضُ أَمْرًا كُلِّيًّا ، أَوْ يَخْرِمُ أَصْلًا مِنَ الشَّرْعِ عَامًّا ، فَلَا دُخُولَ لَهُ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ ، فَيُنْظَرُ فِي حُكْمِهِ : هَلْ يَلْحَقُ بِمَنْ ذُكِرَ أَوْ لَا ؟ .

وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ نَقُولَ : إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتِلْكَ الْوَاسِطَةِ بِلَفْظٍ وَلَا مَعْنًى ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، كَقَوْلِهِ : كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ : إِنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ دَلَالَةٌ، فَفِي مَعْنَاهُ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَبَيَانِ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ .

أَحَدُهُمَا : طَرَفُ السَّلَامَةِ وَالنَّجْدَةِ مِنْ غَيْرِ دَاخِلَةِ شُبْهَةٍ وَلَا إِلْمَامِ بِدْعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ :مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي .

وَالثَّانِي : طَرَفُ الْإِغْرَاقِ فِي الْبِدْعَةِ ، وَهُوَ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْبِدْعَةُ كُلِّيَّةً أَوْ تَخْرِمُ أَصْلًا كُلِّيًّا ، جَرْيًا عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَأَهْلَ الشَّرِّ ذَكَرَ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِأَعْلَى مَا يَحْمِلُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، لِيَبْقَى الْمُؤْمِنُ فِيهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ خَائِفًا رَاجِيًا ، إِذْ جَعَلَ التَّنْبِيهَ بِالطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ ، فَإِنَّ الْخَيْرَ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ ، وَالشَّرُّ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا ذُكِرَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ خَافَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ دُونَهُمْ أَنْ لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، أَوْ

المفصل في أحاديث الفتن · الصفحة ٦٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحاديث الفتنص ٦٩٠